العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٠ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

المرسوم بقانون حول «السيداو» يعكس الوجه المزدهر للبحرين تجاه المرأة

بقلم: رياض محمد سيادي *

الجمعة ٢٢ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



لقد شهد المشروع الإصلاحي لجلالة الملك انفتاحا في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ترسيخ وتدعيم حقوق المرأة بنصوص دستورية، كضمانة راسخة تتجلى في أعلى القواعد القانونية في هرم التشريعات البحرينية وهو الدستور. تنص المادة 5/ب من الدستور البحريني على الآتي: «تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثـقافية والاقتصادية دون إخلال «بأحكام الشريعة الإسلامية». من هذه المادة الدستورية نعرج في هذه المقالة على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة بالسيداو والتي اعتمدت من قبل الأمم المتحدة سنة 1979 وصادق عليها غالبية دول العالم (189 دولة) بما فيهم دول مجلس التعاون الخليجي كافة. مع العلم أن كافة دول مجلس التعاون الخليجي تحفظت على بعض بنود اتفاقية السيداو بنفس الصيغة التي صاغها مرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 بأن التزمت بتنفيذ تلك البنود مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية (انظر في ذلك الموقع الإلكتروني الخاص بالاتفاقيات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة). وهذه الصياغة هي التي جرى عليها عرف القانون الدولي في آلية صياغة التحفظات بأن تبدي الدولة التزامها بتنفيذ بنود الاتفاقية في حدود التحفظ الذي ترغب به. لا سيما إذا كانت تلك البنود تتعلق بجوهر الاتفاقية الدولية كما هو الحال مع البنود التي أعادت مملكة البحرين صياغة التحفظ عليها والمتعلقة بحق المرأة في التنقل واختيار المسكن والتي نص عليها سابقا ميثاق العمل الوطني والدستور البحريني وذلك في حدود عدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية.
صادقت مملكة البحرين على اتفاقية السيداو عام 2002 مع تحفظها على بعض المواد التي تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، ومن ثم إعادة صياغة التحفظات بموجب المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014والذي أقره مجلس النواب البحريني في جلسة 5 ابريل 2016. تعرّض المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 لحملة من النقد بحجة أن إعادة صياغة تحفظات مملكة البحرين على اتفاقية السيداو بالصيغة التي جاءت في المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 يجعلها في موقف مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية ويرتب عليها التزامات لا تنسجم مع طبيعة ثقافتنا ومجتمعنا الإسلامي والعربي. إلا أن هذه الإدعاءات غير صحيحة البتة وجانبها الصواب من عدة أوجه وذلك على النحو الآتي:
أولا: أن الجدل الذي أثير حول ما إذا كان المرسوم بقانون الذي أعاد صياغة التحفظات يخالف الشريعة الإسلامية هو جدل ليس في محله أو بمعنى أدق هو ليس جدلا يتعلق بآراء شرعية أو فقهية، وذلك لأن المرسوم بقانون لم يشطب أو يسحب تحفظ الشريعة الإسلامية بل أكّد أن البحرين لا تزال ملتزمة بتنفيذ المواد التي كانت قد تحفظت عليها سابقا وذلك من دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية. ناهيك عن أن المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 صدر عن جلالة الملك الذي يعتبر هو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية. هذا ما أكّدته المادة 33 من الدستور البحريني وأكّده كذلك المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 الذي أكّد بشكل صريح وواضح لا يقبل اللغط أن مملكة البحرين ملتزمة بتنفيذ بعض المواد التي كانت قد تحفظت عليها سابقا وذلك «دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية». من هذا المنظور يتجلى بوضوح أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تزال مقترنة ومرتبطة بتنفيذ تلك المواد، وإن كان هناك جدل حول إعادة صياغة التحفظات على اتفاقية السيداو فمكانه الصحيح هو النقاش القانوني حول ما هي الالتزامات التي تفرضها اتفاقية السيداو على مملكة البحرين بعد إعادة صياغة التحفظات؟ وليس ما إذا كانت إعادة صياغة التحفظات تخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو لا تخالف لأن هذا الجدل يفترض أنه لا وجود له لأن المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 مازال يتمسك بعدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية. وإذ كان الموضوع كذلك فما هو معنى التحفظ في الفقه القانوني؟ وما هو الأثر القانوني الذي يترتب على إعادة صياغة تحفظات مملكة البحرين على اتفاقية السيداو؟
ثانيا: مفهوم التحفظ وأثره القانوني: عرّفت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المبرمة سنة 1969 معنى مصطلح «التحفظ» في المادة الثانية (فقرة 1-د) «بأنه إعلان من جانب واحد أيا كانت صيغته أو تسميته يصدر عن الدولة، عند توقيعها، أو تصديقها أو قبولها أو موافقتها أو انضمامها إلى معاهدة ما، وتهدف به استبعاد الأثر القانوني أو تعديله لأحكام معينة في المعاهدات من حيث سريانها على هذه الدولة». من هذا التعريف يتضح أن مفهوم التحفظ هو موقف قانوني تعلنه دولة ما حين التصديق على أي اتفاقية دولية أيا كان صيغته أو تسميته، ويترتب عليه عدم وجود تأثير لبنود المواد المتحفظ عليها في القوانين المحلية أو التزام دولي لتنفيذ الأحكام والبنود المتحفظ عليها. وهذا تحديدا ما قامت به مملكة البحرين حين التصديق على الاتفاقية في 2002 بأن تحفظت على بعض بنودها لأنها تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، وأكّدته المادة اثنين (مكرر) من المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014 بأن أكّدت أن مملكة البحرين ملتزمة بتنفيذ أحكام المواد (2) و(15) فقرة (4) و(16) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية. بمعنى آخر إذا كان تنفيذ تلك المواد سوف يخالف أحكام الشريعة الإسلامية فإن البحرين غير ملتزمة بتنفيذها. من هنا يتبين أن حدود التزام مملكة البحرين بهذه المواد هو عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية. لذلك فإن إعادة صياغة التحفظات لا يعني أن البحرين سحبت كل تحفظاتها وخصوصا تلك المتعلقة بالشريعة الإسلامية بل إن إعادة صياغة التحفظات عكس الموقف الصحيح للمشرع البحريني تجاه المرأة البحرينية بأن كفل لها كافة الحريات وساواها بالرجل في كافة ميادين الحياة وذلك من دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية (المادة 5/ب من الدستور البحريني).
ثالثا: لا يمكن لاتفاقية السيداو بأي حال من الأحوال أن تلزم البحرين بأمر يخل بالشريعة الإسلامية، لأن ما استقر عليه فقه القانون الدولي هو أن القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية لا تتجاوز القيمة القانونية للدستور. ويعني ذلك أن الاتفاقية الدولية لا تعدو أن تكون قانونا حالها حال التشريعات والقوانين المحلية، لا يمكنها أن تسمو على النصوص الدستورية. والنصوص الدستورية عادة ما تكون مرتبطة بفكرة النظام العام التي هي مجموعة من القواعد الجوهرية التي يبنى عليها كيان المجتمع سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم دينية. ولو كان المعارضون لمرسوم إعادة صياغة التحفظات القوا نظرة متأنية على نصوص الدستور البحريني التي صاغت حقوق المرأة أو مرسوم إعادة صياغة التحفظات على اتفاقية السيداو لتبين لهم أن مجمل المواد القانونية التي تكلمت عن حقوق المرأة وحرياتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بأحكام الشريعة الإسلامية. أضف إلى ذلك تأكيد الدستور البحريني في المادة (2) بأن دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتـشريع، وكذلك المادة (5/ب) بأن أكّدت كافة حقوق المرأة ومساواتها بالرجل بكافة ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية. وتطبيقا لهذه النصوص الدستورية يتضح جليا أن محاكم مملكة البحرين الشرعية لا تزال ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية في مسائل أحكام الأسرة ولم يؤثر على نهجها إعادة صياغة تحفظات مملكة البحرين على اتفاقية السيداو بعد صدور المرسوم بقانون رقم 70 لسنة 2014.
* مساعد بحث وتدريس/جامعة البحرين ـ-كلية الحقوق





كلمات دالة

aak_news