العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٠٩ - الجمعة ٢١ فبراير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٧ جمادى الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

رسالة كروبي: وشهد شاهد من أهلها

بقلم: د. جاسم بونوفل

الجمعة ٢٢ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



الرسالة التي وجهها الزعيم الإصلاحي الإيراني مهدي كروبي من مقر إقامته الجبرية إلى الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني وطالب فيها بمحاكمته علنيًّا، ووصف فيها رأس نظام ملالي طهران علي خامنئي بـ «طاغية إيران» هي بمثابة شهادة على ديكتاتورية النظام الإيراني، وهي شهادة غير مجروحة لأنها صدرت من رجل يُعد حتى وقت ليس ببعيد أحد أركان النظام البارزين، وهو أحد أبناء «الثورة الإيرانية» وواحد من قيادي الصف الأول في النظام الحاكم في إيران، إذ أنه شغل منصب رئيس البرلمان لفترتين من 1989 إلى 1992، ثم من 2000 إلى 2004، وكان من المرشحين البارزين للانتخابات الرئاسية عام 2009 والتي خسرها أمام محمود أحمدي نجاد بسبب «التزوير»، كما يوصف «بالاعتدال»، ويعتبر نفسه إصلاحيا براغماتيا، وهو حاليًا من أبرز وجوه المعارضة في إيران.
لذلك، فإن شهادته تدخل في باب (وشهد شاهد من أهلها)، ومما يعطي هذه الشهادة أهمية أنها جاءت بعد الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع الدول الكبرى (5 + 1) وبعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها ولكونها صادرة من رجل يعتبر من أكثر العارفين بخبايا دهاليز السياسة الإيرانية وصانعيها بل لا نبالغ في القول إذا قلنا إنه أحد صناعها الأساسيين بحكم منصبه في البرلمان الإيراني. كما أن عمره يقترب من الثمانين عامًا فهو ليس لديه شيء يخاف عليه أو يخسره بحيث يمنعه من الحديث بكل صراحة وجرأة قد يجلب له الضرر فهو الآن قابع في بيته تحت قيد الإقامة الجبرية منذ 2011.
ولما كان الحكم على السلوك الإيراني جاء هذه المرة من داخل البيت الإيراني ولم يأت من خصومها، فإن ذلك يؤكّد صدقية ما تذهب إليه الدول الخليجية في توصيفها للنظام الحاكم في إيران وطبيعته العدوانية، وصعوبة التعامل معه فهو بالنسبة إليها بات معروفًا؛ فتصرفاته إزاء هذه الدول أصبحت مكشوفة ولا تحتاج إلى دليل لإثباتها، وأنها -أي الأنظمة السياسية في هذه الدول - جربت معه كل الوسائل لكي يعود إلى رشده السياسي ويتعامل معها على أسس حسن الجوار والأخوة الإسلامية لكنه ركب رأسه وأخذ يمارس دور الوصي على الشعب العربي في الخليج ويعمل على نشر الفتن وإثارة القلاقل في دوله. ولهذا كان من الطبيعي جدًّا أن تكون ردود الفعل لبعض الدول العربية في الخليج (البحرين والسعودية) قوية ضده كالقرار الذي اتخذته هاتين الدولتين والمتمثل في قطع العلاقات الدبلوماسية معه بعد أن تأكّد لها أن له يدا في كل العمليات الإرهابية التي عصفت بدولتيهما، وسواء اعترفت إيران بذلك أم لم تعترف فإن الدول المتضررة من الإرهاب الإيراني لديها من الأدلة والبراهين التي تثبت تورط نظام الملالي في معظم العمليات الإرهابية التي تحدث في دول الخليج العربية.
من جهة أخرى، إذا كان (أوباما)، ينشد الهدوء والاستقرار للمنطقة ويطلب من الدول الخليجية تبريد الأجواء مع إيران، ويدعوها إلى اتخاذ خطوات إجرائية من شأنها إذابة الجليد وتطبيع العلاقات معها، فعليه أولا أن يتفهم وجهة نظر هذه الدول إزاء إيران، فهي من أوائل الدول التي اكتوت بنار الإرهاب الإيراني، وعانت كثيرا من تدخلها في شؤون الدول العربية، وفي هذا السياق نحيله إلى قراءة رسالة كروبي الأخيرة لروحاني بتمعن؛ ليتأكّد بنفسه عن طبيعة السلوك العدواني لهذا النظام الذي لم يسلم من شره حتى أقرب المقربين إليه فكيف بجيرانه الذين ذاقوا الويل من إثارته للفتن في بلدانهم؟ كما أن فيها التوصيف الحقيقي لطبيعة النظام الإيراني. وبدلا من أن يلقي باللائمة على دول الخليج ويحملها مسؤولية توتر العلاقات بينها وبين إيران، أو يطلب منها تقديم مبادرات تفضي إلى تقريب وجهات النظر بينهما، ويحثها على الدخول مع إيران في حوار مباشر يؤدي في النهاية إلى تطبيع العلاقات بين الجانبين. عليه أولا أن يدين تصرفات إيران العدوانية في المنطقة العربية بصراحة تكون بعيدة عن المجاملات والعبارات الدبلوماسية وأن يمارس عليها ضغوطا لتكف عن تدخلاتها المستمرة في المنطقة، وألا يعمي الاتفاق النووي الأخير بصره وبصيرته عن رؤية حقيقة النظام الحاكم في إيران وممارساته العدوانية ونشاطاته الإرهابية لدرجة أنه لا يستطيع نقد تصرفات إيران وعربدتها في المنطقة العربية. فالشاهد أن نقد الولايات المتحدة الأمريكية لإيران بعد الاتفاق قد انخفضت حدته وبات ناعما ليس له تأثير في ردعها أو وقف تدخلاتها في الشؤون العربية، وهو مقصود حتى لا يثير لديها ردود فعل غاضبة قد يدفعها إلى الاخلال ببنود الاتفاق النووي أو إلغائه وهذا ما لا يتمناه أوباما، ولذلك فهي -أي الولايات المتحدة- لا يعنيها كثيرًا تدخلات إيران في المنطقة وتمددها ما دام ذلك لا يمس مصالحها.
أما حكاية الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان التي تتاجر بها الولايات المتحدة في كثير من دول العالم فهي بالنسبة إلى إيران بضاعة فاسدة لا تجرؤ الولايات المتحدة الأمريكية على تصديرها إلى إيران؛ لأنها ليست في حاجة إليها فهي مطبقة في إيران وأن ما قاله (كروبي) في هذا الشأن غير دقيق ومناف للحقيقة وفيه تجنٍ على النظام الديمقراطي في إيران! كما أن سجلها في حقوق الإنسان مشرف ولا داعي لإثارة هذا الموضوع معها؛ لأنه قد يطيح بالاتفاق النووي وهذا ضد رغبة أوباما شخصيا، ولذلك يمكن غض الطرف عن إيران ما دامت تفي بكل تعهداتها ووعودها في مسألة برنامجها النووي.
في اعتقادي أن أمريكا لا يهمها ملف حقوق الانسان في أي دولة بقدر ما يهمها تحقيق مصالحها من هذه الدولة أو تلك وهي تستخدم ملف «حقوق الإنسان» كوسيلة ضغط على الدول التي تخرج عن طوعها ولا تحقق مرادها، أما الدول التي تعمل على تنفيذ مصالحها فهي تغض الطرف عنها ولا تحاسبها وهذا السلوك الأمريكي نجده الآن متجسما في سياسة الإدارة الأمريكية الحالية بشكل واضح وصريح مع النظام الإيراني الذي يمارس انتهاكات صارخة في حقوق الإنسان بشكل علني ومع ذلك تتعامل الولايات المتحدة معه بكل ودّ واحترام وتذعن لكل مطامحه الإقليمية وتبرم صفقة نووية معه. في رأيي أنه بعد رسالة (كروبي) وإدانة تدخلات إيران في الشؤون العربية من قبل غالبية الدول الإسلامية في القمة الإسلامية التي عقدت في مدينة إسطنبول التركية لم يعد أمام الولايات المتحدة إلا أن تعيد النظر في النظام الإيراني وتنظر إليه بموضوعية وأنها إذا ما فعلت ذلك، فإننا على يقين أنها ستصل إلى النتيجة التي أكّد عليها (كروبي)، وتلك التي خرج بها بيان مؤتمر القمة الإسلامي الأخير في إسطنبول.





كلمات دالة

aak_news