العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل دونالد ترامب فاشي؟

أجرى الحوار: باتريك كوفمان

الجمعة ١٥ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



أجرت مجلة لونوفيل أوبزرفاتور الحوار التالي مع البروفيسور روبرت باكستون، الذي يعتبر مؤرخ الفاشية وهو أكاديمي بارز في جامعة كولومبيا الأمريكية العريقة. يذكر أن هذا الأكاديمي الأمريكي هو الذي فتح أعين الفرنسيين سنة 1973 على مسؤوليات نظام فيشي الموالي للنازيين من خلال كتاب «فرنسا فيشي».
{ هل تعتقد أن مقارنة الوضع السياسي الراهن السائد في الولايات المتحدة الأمريكية بالوضع الذي كان سائدا في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي شهدت خلاله صعود التيارات الفاشية، له ما يبرره اليوم؟ فالشخصيات من أمثال وزير العمل السابق روبرت ريخ والممثل المعروف جورج كلوني تعتبر أن المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية يحمل سمات السياسي الفاشي..
- يتعين استخدام مثل هذه المفاهيم -أعني الفاشية- إذا كانت تساعدنا على الفهم لكن لا أعتقد أنَّها تنطبق على واقع الحال. صحيح أن هناك بعض نقاط التشابه بين دونالد ترامب والفاشية شكلا ومضمونا، غير أن العوامل الدينامية الاجتماعية والسياسية الراهنة تختلف كل الاختلاف عما كان عليه الأمر في ثلاثينيات القرن الماضي. فالهدف الأساسي للفاشية هو توحيد الشعب الذي تشقه الانقسامات من خلال إضعاف دور الفرد لصالح الجماعة من أجل بناء دولة قوية تطحن الأفراد. لقد دمر أدولف هتلر حكم الأقاليم من أجل بناء دولة ألمانية قوية وقد نجح في ذلك في وقت قياسي. أما دونالد ترامب فهو على العكس من ذلك يطالب الدولة بالتنحي والكف عن حماية الفقراء والبيئة والطبقات الاجتماعية الهشة.
نحن لا نتحدث هنا عن يمين متطرف في الولايات المتحدة الأمريكية بل إن الأمر يتعلق بتطرف الوسط والذي ينادي بعلوية الفرد على حساب المجموعة والدولة، بحيث يمكن لكل شخص أن يفعل ما يريد ويكسب الثروات ويطلق المبادرات في مثل هذا المجتمع.
لا شك أن دونالد ترامب يستخدم الكثير من مضامين الخطاب السياسي الفاشي، وخاصة عندما يتحدث عن تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية. فأمريكا في نظره في حالة هبوط حاد بسبب سياسات الرئيس أوباما، وهي تبدو اليوم كالرجل المريض في تفكيرها.
ظل دونالد ترامب في حملة الانتخابات التمهيدية يعزف على الوتر القومي ويشدد على ضرورة العمل على تنقية الشعب الأمريكي. فهو يتحدث عن العدو الداخلي – المهاجر أو المسلم – ويندد بضعف دبلوماسية الرئيس باراك أوباما ويدعو للجوء إلى أسلوب العنف من أجل تسوية المشاكل بالقوة. بل إن الطريقة التي ينظر بها دونالد ترامب تنم عن شراسة وعداء، رغم أن الأمر قد يكون تلقائيا لا أكثر ولا أقل. لا أعتقد أنَّ ترامب قد تعلم هذا الأسلوب من خلال قراءة كتب أدولف هتلر وموسوليني. إن الأمر ينبع من شخصيته العدوانية.
{ لكن دونالد ترامب ذكر مقولة مأثورة عن الزعيم الفاشي الإيطالي موسوليني: «أفضل أن أعش يوما واحدا أسدا على أن أعيش مائة عام كامل وأنا مثل الخروف».
- لقد أرسل اليه هذه المقولة أحدهم على حساب تويتر وقد أعجبته. عندما سئل عن الأمر على شاشة التلفزيون قال ترامب: «لا يهمني ما إذا كانت هذه المقولة منسوبة الى موسوليني أو قالها غيرها. المهم أنها مقولة بليغة وقد أعجبتني كثيرا».
{ لاشيء يزعجه على ما يبدو إذا...
- لا شيء على الإطلاق. فهو يهاجم بابا الفاتيكان وقدامي المقاتلين من أسرى الحرب. أما أنصاره فإنهم لا يهتمون بمضمون خطبه بقدر ما يهتمون بالصورة. فهو رجل قوي وناجح وليس من السياسيين ويؤمن بعظمة الولايات المتحدة الأمريكية ويعتبر أن الرئيس باراك أوباما هو الذي أضعفها بسياساتها المترددة والمتخبطة.
يمكن لدونالد ترامب أن يقول أي شيء وهو لا يتنكر للدعم الذي قدمه له ديفيد ديوك، الزعيم السابق لتنظيم كلو كلاكس كلان المعادي للسكان السود في ولاية لويزيانا الأمريكية. أي رجل سياسة آخر يقول مثل هذا الكلام إنما يوقع وثيقة انتحاره السياسي – ما عدا دونالد ترامب الذي لا يزال يتصدر الاستطلاعات.
{ هل تفاجأت بالأمر إذا؟
- نعم لقد تفاجأنا بالأمر. فقبل ستة أشهر كان دونالد ترامب مجرد شخصية كوميدية تثير السخرية ومادة دسمة للتندر والفكاهة. لقد كان دونالد ترامب يثير سخرية الجميع ويضحكهم، وفجأة تحول إلى رجل قوي ومؤثر، كما أن كلامه تتردد أصداؤه في مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة منها فئة المهمشين، وخاصة من البيض العاطلين عن العمل أو الذين يعانون من هشاشة وضعهم الوظيفي نتيجة تواضع مستواهم التعليمي، وهو ما يجعلهم ينقمون ويحقدون على الأمريكيين الآخرين الذين ينجحون ويترقون في السلم الوظيفي ويزدادون ثروة بفضل نجاح أعمالهم، كما أنهم يحقدون على أولئك الذين يحصلون على المساعدات، وخاصة السود منهم. لم ينجح أي سياسي قبل دونالد ترامبفي تعبئة كل هذا الغضب الشعبي ضد اليسار في الولايات المتحدة الأمريكية.
{ لقد حاول «حزب الشاي» أن يفعل ذلك من قبل.
- نعم لكن حزب الشاي لم يعد له أي ذكر اليوم حيث إنَّ دونالد ترامب قد ابتلعه.
{ هل هناك حالات سابقة في التاريخ السياسي الأمريكي؟
- لست أعرف أي سياسي حقق كل هذا النجاح الذي حققه دونالد ترامب رغم خطابه المثير للجدل. صحيح أن حاكم ولاية لويزيانا، الذي أصبح بعد ذلك سيناتورا، هيو لانج، كان يتمتع بشعبية كبيرة، غير أن نجاحه كان على المستوى المحلي فقط. وقد اغتيل سنة 1935 عندما تأهب لإعلان ترشحه لخوض غمار الانتخابات الرئاسية.
أما القس الكاثوليكي شارلز كوفلين، المعادي للرئيس روزفلت، فقد كان ينشط برنامجا اذاعيا من مدينة ديترويت وكان مؤيدا للفاشية وكان أكثر من ثلاثين مليون مستمع يتابعونه. كان الرئيس روزفلت يتمتع بشعبية فائقة، حتى أنه لم يكن بوسع هذا القس الفاشي ان يفعل أي شيء يذكر.
أما العنصري جورج والاسن الذي كان ينادي بالفصل بين البيض والسود، فقد ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 1968، وقد كان يتبنى خطابا معاديا للسود الأمريكيين، غير أنه لم يفز إلا في خمس ولايات في الجنوب. لذلك تعتبر ظاهرة دونالد ترامب جديدة. أصبحت ظاهرة ترامب ممكنة بسبب انهيار دور الحزبين الجمهوري والديمقراطي في تعيين المرشحين للانتخابات الرئاسية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام ترامب وغيره.
بداية من فترة الستينيات بدأ يظهر تيار يقول إنه لا يمكن ان نترك مسألة اختيار المرشحين للانتخابات الرئاسية بين أيدي بعض النخبة الذين يمارسون عملية الاختيار خلف الأبواب المغلقة وفي غرف مليئة بالدخان. لقد بدأت عملية اختيار المرشحين تصبح أكثر انفتاحا.
لذلك، فإننا نرى اليوم بين المرشحين رجلين يعتبران على هامش الحياة السياسية والنخب التي تدير ماكينة ومؤسسات الحزب الديمقراطي والجمهوري – يتعلق الأمر بالمرشح الديمقراطي بيرني ساندرز والمرشح الجمهوري المثير للجدل دونالد ترامب.
أما التغيير الآخر الكبير الذي طرأ على الساحة السياسية الأمريكية فيتمثل في تنامي دور مواقع التواصل الاجتماعي التي تسهم في سرعة تغيير ذهنية الرأي العام خارج إطار وسائل الاعلام التقليدية.
{ هل تعتقد أن البيئة الاجتماعية السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية مع اتساع رقعة الفقراء في الطبقات الاجتماعية شبيه بالوضع الذي كان سائدا في الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي؟
- نحن – أي الولايات المتحدة الأمريكية – لسنا إيطاليا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918) كما أننا لسنا ألمانيا التي كانت تعاني كثيرا جراء أزمة سنة 1929 المالية والاقتصادية والتي عادت بالوبال على الولايات المتحدة الأمريكية والكثير من الدول الغربية الراسمالية الأخرى. لا يوجد اليوم اي شيء يهدد بالاستيلاء على السلطة.
أرى عدة نقاط تتشابه مع فترة الثلاثينيات من القرن العشرين الماضي - نذكر على سبيل المثال لا الحصر تنامي كراهية الأجانب من قبل الفئات الاجتماعية الهشة والشعور بتدهو مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وحالة الاستقطاب الحادة في الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية. نذكر كيف أن ليون بلوم كان يتمتع بشعبية جارفة، لكن عندما وصل الى سدة السلطة لم يستطع أن يحكم. إن الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما يشبه ليون بلوام إلى حد كبير. فهو لم يحكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر الكافي. أما على صعيد السياسة الخارجية، فإنّ دونالد ترامب يشدد على استعداده التام للجوء إلى اسلوب القوة غير أن خطابه السياسي في إطار حملته الانتخابية التمهيدية لا يخلو أيضا من نزعة انفصالية. فهو يعتبر أنه يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتحول إلى شرطي للعالم.
لاشك أن الخطاب الذي يعتمده المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب لا يخلو من تناقضات. فهو ينادي بالانعزالية ويتهم هيلاري كلينتون بمساندة الحرب في العراق سنة 2002، غير أن ذلك لم يمنعه من دعم إرسال قوات مسلحة إلى سوريا. لا يخفي دونالد ترامب مقته للدبلوماسية وهو ما قد يسبب المتاعب لسلطات البيت الأبيض في عهده إذا ما فاز في الانتخابات.
{ إذا ما فاز دونالد ترامب في الانتخابات في نوفمبر 2016 وأصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. فما هو مكمن الخطورة في سياسته؟
-يمكن أن يكون دونالد ترامب خطرا على مستوى الداخل والخارج إذا ما اصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. فهو لا ينقل آراء ومواقف الآخرين المختلفة ولا يشعر برابطة قوية تربطه بالقانون، كما أنه يؤمن بالعنف ويؤيد أسلوب القوة في السياسة الخارجية.
أما على المستوى الداخلي، فإننا لسنا نعرف كيف سيرد الفعل إذا ما دخل في مواجهة مع مجلسي النوب والشيوخ أو مع السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية. فهو قد يستقوى بالرأي العام الذي يعتمد عليه بما يروجه من خطاب مثير للجدل.
أما على المستوى الخارجي، فهو يثير أيضا الكثير من المخاوف حيث إنَّه قد يبدأ في إرسال القوات العسكرية واعتماد أسلوب القوة في التعامل مع التحديات والأزمات الدولية بدلا من البحث عن التسوية السلمية.
هذا ما يثير مخاوفي. في الحقيقة فإنّ دونالد ترامب ليس بالرجل المؤهل للعمل الاداري، وهو ما سيجعلنا نتساءل عن أدائه في المكتب البيضاوي إذا ما أصبح فعلا رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. لم يعرف عن دونالد ترامب أيضا أي اهتمام يذكر بالشؤون العامة حيث إنَّه كان دائما يفضل حياة الملاهي مع عارضات الأزياء. لا أعتقد أنَّه سيكون مستعدا للاضطلاع بالأعباء الرئاسية اليومية.
{ على المستوى الايديولوجي، يعتبر دونالد ترامب أقل استقرارا في مواقفه وقناعته من بقية المرشحين، ناهيك عن أنه كان إلى وقت غير بعيد ديمقراطيا...
- نعم يعتبر دونالد ترامب في أقصى اليمين فيما يتعلق بالموقف من قضية الهجرة والمهاجرين، غير أنه لا ينتقد كثيرا مظلة الحماية الاجتماعية على عكس بقية المرشحين الآخرين، كما أنه يقبل بأن يدفع الأغنياء ضرائب أكثر، وهو أقل يمينية على سبيل المثال من منافسه الجمهوري تيد كروز الذي يعتبر متأدلجا إلى حد التشدد.
أحيانا يصعب توقع دونالد ترامب وهو ما سيزيد من خطورته غير أن شخصيته لا تخلو من التمويه. إذا ما فاز بترشيح الحزب الجمهوري، فإنه سيكون عليه أن يطور خطابه السياسي والانتخابي حتى يقنع المعتدلين الأمريكيين.
{ ماذا عن موقفه المعادي للمسلمين؟
- لقد ظل يشن حملة مغرض ضد المسلمين منذ عدة أشهر وقد صعد انتقاداته خلال حملته الانتخابية وقد تسبب بضرر كبير.. فقد زعم في البداية أن بعض المسلمين كانوا يرقصون على ضفة نهر هودسون فرحا بهجمات 11 سبتمبر 2001 وهي أكاذيب وافتراءات لا أساس لها من الصحة. بعد ذلك ظل دونالد ترامب يعزف على وتر مخاوف الأمريكيين فتحول المسلم إلى مجرد «الآخر» الذي يكن العداء للولايات المتحدة الأمريكية والذي سيدمر الحضارة الأمريكية. عندما نستمع إلى دونالد ترامب يقول مثل هذه الترهات، فإننا نحِنّ إلى عهد جورج بوش الذي كان يقول ان الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حرب ضد الإسلام الذي يعتبره دين سلام.
قال دونالد ترامب في إحدى المناظرات التلفزيونية: «الإسلام يكره الولايات المتحدة... أقصد غالبية المسلمين، أقصد غالبيتهم. هناك كره شديد، وأنا مصمم على ما قلته»، مضيفا أنه يعبر عن أفكاره بوضوح. 
أنا لا أبالي بردود الفعل، بل أريد التعبير بصدق عن أفكاري ومواقفي. أثار دونالد ترامب ضجة أخرى وردود أفعال غاضبة عندما يحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة.
وأضاف أنَّ «الحدود ينبغي أن تظل مغلقة أمام المسلمين حتى يتوصل نواب الشعب إلى فهم واضح لأسباب تلك الكراهية». هذا موقف ينطوي على تحامل كبير على الإسلام والمسلمين.
لونوفيل أوبزرفاتور






كلمات دالة

aak_news