العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

السعودية ومصر واستراتيجية القوة العربية الذاتية



} «في الاتحاد قوة» لطالما رسخ هذا المفهوم في أذهاننا منذ أن كنا صغارًا, ومنذ قصة الشيخ «المدرسية» حين جمع أولاده وأعطاهم عِصيًّا, بالأول بشكل منفرد فكسره كل واحد منهم بسهولة, وحين جمعها لم يتمكن أي منهم من كسرها. هي الخلاصة منذ البداية, ومنذ قديم الأزمان! ورغم المحاولات العربية منذ عقود عديدة لخلق بيئة مواتية, لمثل هذا الاتحاد العربي, بغض النظر عن آلياته ووسائل تنفيذه, إلا أن الفرصة لم تأت قط! وخاصة بعد زرع «الكيان الصهيوني» ليشق الجغرافيا العربية من منتصفها, إلى جانب وقوع المنطقة العربية ومنذ قرون تحت سيطرة وهيمنة دول أجنبية, بعد مركزية الخلافة في إسطنبول, ووصايتها على العرب!
} اعتقد العرب لعقود طويلة أيضًا, أن دولاً غربية كبرى بإمكانها أن تحميهم وتدافع عنهم في وجه المخاطر والتهديدات, حتى أثبتت التجارب المريرة منذ بداية القرن الماضي أن حماية الغرب للعرب هي خديعة كبرى ولكن لم يأخذ العبرة أحد! وفي السنوات الأخيرة اتضح أن مشاريع ومخططات تلك الدول تجاه الدول العربية هي نفسها تشكل التهديد والخطر بل ومنذ زمن طويل!
لذلك لم يأت جزافًا ما تحدث به «الملك سلمان» خادم الحرمين في البرلمان المصري, وهو يقول (علمتنا التجارب أن في التحالف قوة) قاصدًا هذه المرة التحالف بين العرب أنفسهم, بدءًا بمصر والسعودية, وأنّ أوان التوجه الفعلي نحو بناء (استراتيجية القوة العربية الذاتية) ليس فقط قد حان, وإنما أصبح (ضرورة وجودية ملحة) اليوم, وحيث صفة العداء لم تعد مقتصرة على «العدو الصهيوني» كعدو استراتيجي, وإنما جاء من ينخر داخل المجتمعات العربية من داخلها ويوجه الحياة العربية نحو التطرف والإرهاب, (فأصبح الإرهاب هو العدو الثاني الخطير) مثلما تحولت «جمهورية إيران الثيوقراطية» بطموحاتها التوسعية إلى (عدو حقيقي يهدد الوطن العربي) مضافًا إليها جميعًا (المخططات والمشاريع الغربية التمزيقية للعرب) وحيث تلك المخططات تستخدم (العداءات الثلاثة الأولى) وتغذيها في ذات الوقت, وتتبادل مركزية العداء معها, ليصبح العدو الرابع هو الأول في فترة, فيما يختبئ العدو الأول «الكيان الصهيوني» خلف الستار, وكذلك العدو الإيراني والإرهاب, في جدلية يتموضع فيها العداء, بحسب الظروف وبحسب الاستراتيجية!
} بعد وضوح صورة الأعداء, وإن كانت لا تزال ضبابية لدى البعض! إلا أن العديد من القادة العرب استوعبوا اليوم درس التجارب جيدًا, فأخذوا على عاتقهم السباق مع الزمن, لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدول, وعلى رأس هؤلاء السعودية ودول خليجية أخرى معروفة, ومعهم جمهورية مصر العربية, وحيث إنه منذ «عاصفة الحزم» و«رعد الشمال» حيث التحالف الإسلامي والإجراءات الخليجية والعربية لمواجهة الإرهاب «الداعشي» و«الإرهاب الإيراني» عبر أذرعه الأخطبوطية في المنطقة, (فإن العرب قد دخلوا مرحلة جديدة), توّجها «الملك سلمان» بزيارته التاريخية وغير العادية لمصر, ليعلن عن «جسر الحلم» بين البلدين والذي سيربط في ذات الوقت عرب إفريقيا وعرب آسيا ببعض «بريًّا», إلى جانب كتلة كبيرة من المشاريع الحيوية في «سيناء» وبقية أجزاء مصر, ليقوم العاهل السعودي في البرلمان المصري بعدها (بإعلان تفعيل إنشاء قوة عربية مشتركة قريبًا) فتصبح الزيارة ذات مغزى لتوجه عربي جديد تمامًا, من خلال «جناحي الأمة العربية والأمن القومي العربي» فينطلق النسر العربي والصقر العربي, ليجربا التحليق عاليًا, بعد أن أسقطا عن ريشهما حبل (التبعية العربية والاتكاء العربي على حلفاء لم يكونوا قط حلفاء حقيقيين)!
} هذا ما كانت تطالب به الشعوب العربية منذ عقود, بفطرة طبيعية وحدس وبصيرة ثاقبة, وبأن الوحدة الخليجية ضرورة, والتحالف العربي – العربي هو صمام الأمان الحقيقي أيضًا وأن التحالف قوة أيضا, وأن الاستثمار العربي – العربي هو الأجدى لحفظ الدول العربية وتكاملها, بما حباها الله من نعم كثيرة, بإمكانها أن تشكل معًا (قوة عظمى) في العالم, وأن الدول الكبرى لا تحترم إلا الأقوياء, بل العالم كله لا يحترم إلا الأقوياء.
وإذا كان ناقوس المرحلة العربية الجديدة قد دق أخيرا, رغم ركام المخاطر والتهديدات والتمزق, فإن الشعوب العربية ستبقى تحلم حلمها العربي, حين يبني القادة العرب استراتيجية التحالف العربي – العربي, بعد أن تعود قطعان دول عربية شاردة في التحالف مع إيران إلى الحضن العربي! ولا شيء بكبير على الله. إن وعي العرب مصدر قوتهم, ولهذا مباركة هذه النقلة في العلاقات بين السعودية ومصر, وبين الخليج ومصر أيضًا, إلى أن تتسع الدائرة, ويتضح المزيد من الرؤى الاستراتيجية اعتمادا على «القوة الذاتية» فيشمل العرب جميعًا.





إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

aak_news