العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

تنظيم «داعش».. العدو الضروري

الأربعاء ٠٦ أبريل ٢٠١٦ - 03:00



الكل يستثمر في تنظيم داعش.. الكل له مصلحة في استمرار بقائه
رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش – يتلقى ضربات موجعة هذه الأيام غير أنه لا يمكن القضاء على هذا التنظيم الإرهابي من دون التوصل إلى تسوية دائمة للأزمة السورية المعقدة والمتداخلة الأبعاد.
هل يمكن القول إن سلسلة الهجمات والتفجيرات الدامية التي هزت باريس وبروكسل وإسطنبول نتيجة مباشرة للخسائر التي تكبدها تنظيم داعش والتي جعلته يتراجع على عدة جبهات ويفقد السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي كان يتحكم فيها في العراق وسوريا؟
نحن نعلم اليوم جيدا مثلما يدرك كثير من المفكرين الاستراتيجيين والباحثين المختصين في شؤون التنظيمات الجهادية المتطرفة أن تنظيم داعش بات اليوم يجد صعوبة كبيرة في تدويل معركته أو حربه. لقد ساهمت الحملة الجوية التي ظلت تقودها الولايات المتحدة منذ شهر سبتمبر 2014 والضربات الجوية الروسية التي بدأت بعد ذلك بسنة واحدة في إضعاف تنظيم داعش.
في سنة 2015، خسر تنظيم داعش ما بين 25% و30% من الأراضي التي كان يسيطر عليها سيطرة تامة في العراق إلى حدود سنة 2014 وترك هذه الأراضي التي انسحب منها تحت الضربات المتتالية ليحل محله الأكراد والجيش السوري الحر، إضافة إلى الجيش النظامي السوري الموالي لنظام بشار الأسد.
أما في العراق نجد قوات البشمركة الكردية في صد مقاتلي تنظيم داعش وإبعادهم عن المناطق الكردية كما نجحوا في استعادة السيطرة على مدينة سنجار في يوم 13 نوفمبر 2015 فيما استعاد الجيش العراقي بدوره زمام السيطرة على مدينة الرمادي بدعم من إيران وذلك في شهر يناير 2016.
يوم 17 مارس تم تدمير مخبأ ضخم للسلاح تابع لتنظيم داعش في منطقة «هيت» وهو ما أكدته سلطات البنتاجون التي أرسلت وحدات من قوات المارينز إلى العراق من أجل الإعداد للمعركة القادمة ضد تنظيم داعش في مدينة الموصل.
أما في سوريا فقد خسر تنظيم داعش مواقعه القوية في منطقة شرق مدينة حلب كما تمكن الجيش النظامي السوري من استعادة السيطرة أيضا خلال الأيام القليلة الماضية على مدينة تدمر الأثرية والتي تمثل كنزا حقيقيا من الكنوز الأثرية والإنسانية العالمية. أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أيضا خلال الأيام القليلة الماضية عن تدمير الرجل الثاني في تنظيم داعش بعد «الخليفة» أبوبكر البغدادي. يتعلق الأمر بالمسمى عبدالرحمن القادولي.
في منتصف شهر مارس 2016، بلغت الغارات الجوية التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على مواقع تنظيم داعش 10,962 ضربة – 7336 منها في العراق و3626 في سوريا المجاورة علما بأن نصيب الأسد في توجيه هذه الضربات يعود إلى الجيش الأمريكي.

بلغت كلفة الحرب ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا حتى الآن أكثر من ستة مليارات وخمسمائة مليون دولار – أي بمعدل 11,4 مليون دولار يوميا. بدأت الضربات الجوية الروسية يوم 30 سبتمبر 2015 وهي ترمي على وجه الخصوص إلى مساعدة الجيش النظامي السوري الموالي لبشار الأسد على استعادة أنفاسه علما أن هذه الضربات الجوية الروسية موجهة في جزء منها ضد مواقع تنظيم داعش. اعتبر المرصد السوري غير الحكومي لحقوق الانسان أن الروس قد نفذوا حتى الآن أكثر من ثلاثة آلاف ضربة جوية غير أن 900 منها فقط استهدفت مواقع تنظيم داعش بشكل فعلي.
لا شك أن ازدياد وتيرة وعدد التفجيرات باستخدام السيارات المفخخة قد يوحي بأن هذا التنظيم المتطرف بدأ يفتقر إلى المقاتلين المتمرسين القادرين على الحرب. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن عدد القتلى وإحصاء الجثث لا يمثل مؤشرا على تحقيق النصر في الحرب ضد تنظيم داعش. فكل مقاتل شيشاني أو عراقي يقتل في ساحة الحرب يتم تغييره بمقاتل جديد قد يكون أقل خبرة بالقتال غير أنه أكثر دموية.
لقد ذكرت التقارير الصادرة عن البنتاجون أن الضربات التي تنفذها طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 20 ألفا من أعضاء تنظيم داعش علما بأن وزارة الخارجية قدرت في يناير 2016 أن عدد أتباع أبو بكر البغدادي في حدود ثلاثين ألف جندي، وهو نفس العدد الذي ورد ذكره سنة 2014.
هذه الأرقام تظهر أن الضربات الجوية التي نفذتها قوات التحالف أدت إلى تصفية الآلاف من مقاتلي داعش في العراق غير أنها لم تنجح مع ذلك في وقت تدفق المقاتلين على التنظيم الارهابي من عديد الدول والمناطق في العالم.
رغم أن الانتكاسات التي لحقت تباعا بهذا التنظيم والذي فقد الكثير من الرؤوس القيادية فإنه يبدو أن دولة الخلافة لا تزال تستفيد من مخزون العناصر الجديدة المستعدة للموت في ساحة القتال وهو ما ساعد هذا التنظيم حتى الآن في الحفاظ على بقائه وقدراته القتالية رغم فقدان الكثير من المواقع الجغرافية في العراق وسوريا.
يجمع الخبراء العسكريون والاستراتيجيون أن الضربات الجوية لا تكفي من أجل كسب معركة أو حرب. لا يوجد حتى الآن سوى 3870 خبيرا عسكريا أمريكيا على الأرض في العراق، علما أنه يستبعد أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية بالمزيد. لقد برر الرئيس باراك أوباما سياسته الميالة إلى العزلة في الحوار الذي أجرته معه مجلة ذا آتلانتك.
يمكن أن تأتي الضربات الجوية أيضا بنتائج عكسية وتتسبب في الأضرار الجانبية في قاموس العسكريين، أي تؤدي إلى مقتل السكان المدنيين. على ارتفاع 5000 قدم يصعب في الحقيقة التمييز ما بين مقاتلي داعش والسكان المدنيين. فقد ذكر المرصد السوري لحقوق الانسان أن الضربات الجوية التي تنفذها قوات قد أدت إلى مقتل 332 من السكان المدنيين – ومن ضمنهم أكثر من تسعين طفلا منذ شهر سبتمبر 2014.
يمكن طرد تنظيم داعش من معاقله الحالية في مدينة الموصل العراقية أو في مدينة الرقة السورية غير أنه يستطيع أن يعيد الانتشار ويتمدد أكثر من أي وقت مضى في مناطق أخرى تنتفي فيها سيادة القانون وتستباح فيها الأعراف والمواثيق، وخاصة في ليبيا التي ظهر فيها أول مرة في شهر أكتوبر 2014 ليتمدد بعد ذلك بشكل بات ينذر بالخطر.
قال وزير الدفاع الفرنسي جون إيف لودريان إن قرابة من خمسة آلاف مقاتل تابعين لتنظيم داعش يتحركون غير بعيد عن قاعدتهم في مدينة سرت في ليبيا، على ضفة البحر الأبيض المتوسط، علما بأن هذه المدينة الساحلية الليبية توجد على بعد 550 كلم فقط من سواحل الضفة الجنوبية للقارة الأوروبية. تظهر التقارير أن تنظيم داعش يتنامى ويتمدد باستمرار علما بأن سلطات طرابلس تعتقل الكثير من العناصر الجهادية التي تتدفق على ليبيا وتتجه إلى معقل تنظيم داعش في مدينة سرت الليبية.
في ليبيا يوجد أكثر من 800 ألف مهاجر غير شرعي ينتظرون فرصة العبور إلى أوروبا وهم يمثلون أيضا مخزونا استراتيجيا بالغ الأهمية لتنظيم داعش الارهابي كما أنه يمثل مخزونا للمهربين وتجار البشر.
بطبيعة الحال يصعب في الوقت الحالي التعويل على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة رئيس الوزراء فايز السراج – الذي كان مقيما في تونس والذي عاد لتوه إلى طرابلس – من أجل محاربة هذه التنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم داعش الارهابي.
لا يزال رئيس حكومة الانقاذ الوطني في طرابلس خليفة غويلة يرفض الاعتراف بشرعية الاتفاقيات التي أبرمت بمدينة الصخيرات المغربية تحت رعاية ومنظمة الأمم المتحدة، وهي الاتفاقيات التي انبثقت عنها حكومة الوحدة الوطنية التي تعلق عليها اليوم آمال كبيرة قد تفوق طاقتها في ظل الوضع الصعب الذي تتخبط فيه ليبيا وتنامي التنظيمات الارهابية والاجرامية التي استغلت غياب سلطة الدولة في فترة ما بعد سقوط نظام العقيد القذافي من أجل التمدد وترسيخ أقدامها.
يعتبر بعض المحللين أن تنظيم داعش هو العدو الضروري. كيف؟
يعتبر كثير من المحللين أيضا أنه لن يتسنى القضاء على تنظيم داعش الارهابي ما لم يتم التوصل إلى إنهاء الحرب وإنهاء تسوية سياسية للأزمة السورية التي أغرقت منطقة الشرق الأوسط في الدماء والدموع – 470 ألف قتيل ومليون ومائتا ألف جريح حتى اليوم – كما أن الحرب التي ظلت مشتعلة في سوريا منذ سنة 2011 قد تسببت في ظهور أكبر أزمة لاجئين من نوعها في التاريخ البشري حيث إن عدد الذين شردتهم الحرب قد تجاوز عشرة ملايين نسمة.
لعل ما زاد الطين بلة أن الدول المشاركة في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تجد صعوبة كبيرة في الاتفاق على هدف عسكري واضح المعالم. فتركيا على سبيل المثال تعتبر أن الأكراد يمثلون العدو الأول في الوقت الراهن، لذلك فقد دخلت حكومة الرئيس رجب طيب أردوجان منذ عدة أشهر في حرب مفتوحة ضد الأكراد على جانبي الحدود مع سوريا من أجل الحيلولة دون قيام دولة كردية.
أما الأكراد، فهم لا يسعون للقضاء على تنظيم داعش بقدر ما يريدون الدفاع عن حدودهم الجدية التي اكتسبوها. أما الروس فهم يدعمون طبعا نظام بشار الأسد في دمشق ويضربون أعداءه المباشرين، بما في ذلك الجيش الحر السوري المدعوم من تركيا والمجتمع الدولي. يعتبر الروس أن الحرب ضد تنظيم داعش مسألة ثانوية.. فبشار الأسد يدافع عن استمراره في الحكم وهو يسوق نفسه على أنه يمثل الدرع الأخير في مواجهة تنظيم داعش. لذلك فإن نظام بشار الأسد له مصلحة حقيقية في استمرار بقاء تنظيم داعش، وهو ما يبرر مقولة داعش.. العدو الضروري.
أما بالنسبة إلى الجمهورية الاسلامية الإيرانية فإن المعركة ضد تنظيم داعش وفرت الفرصة لنظام طهران الثيوقراطي كي يزيد من تعزيز موقفه ومساعيه لتكريس نفسه كقوة اقليمية مهيمنة في ظل الفراغ الاستراتيجي الذي تركته الإدارة الأمريكية برئاسة باراك أوباما، الذي لا يشك أحد بأنه أضر بالعرب وخدم إيران بشكل أو بآخر. خلاصة الأمر، إيران تستثمر أيضا في استمرار وجود تنظيم داعش.. العدو الضروري رغم أن إيران تتظاهر بمحاربة تنظيم داعش.
يعتبر المحلل السياسي المختص في الاسلام والمسلمين أوليفر روي أن تنظيم داعش لا يمثل العدو الرئيسي لأي طرف من الأطراف اللاعبة في منطقة الشرق الأوسط وهو ما يعطي هذا التنظيم فرصة البقاء والحفاظ على وجوده ذلك أن هذه الأطراف التي أتينا على ذكرها لها مصلحة حقيقية في استمرار بقائه.
المأزق السياسي الراهن
يجب أن تترافق الحرب ضد تنظيم داعش واستعادة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش مع تكثيف الجهود الرامية إلى طمأنة المسلمين السنة وتوفر الارادة السياسية اللازمة لذلك. فالمسلمون السنة يمثلون العمود الضروري لتحقيق السلام وما لم يتم إشراكهم في أي مسار سياسي فعلي وتعددي فإنه لن يكون هناك أي سلام حقيقي في العراق أو في سوريا.
يعتبر المحللون أن الحل في العراق يمر بالضرورة عبر انقلاب القبائل العربية السنية على حلفائهم في تنظيم داعش. المشكلة الأساسية أن المليشيات الشيعية المدعومة من إيران هي التي تتولى اليوم محاربة تنظيم داعش وهو ما يزيد من حالة الاحتقان الطائفي في كل من سوريا والعراق على وجه الخصوص.
يتكون الجيش النظامي السوري الموالي لنظام بشار الأسد في أغلبيته الساحقة من العلويين الشيعة المدعومين من الروس والايرانيين. أما في العراق فإن الحكومة في بغداد التي يرأسها حيدر العبادي وهي ترتبط بعلاقات قوية مع إيران فيما تظل علاقاتها مع الدول العربية السنية المجاورة يشوبها التوتر.
تعهد حيدر العبادي بمقتضى الدستور الجديد بالعمل على تكريس النظام الفيدرالي بما يمكن المكون السني من سلطات أكثر أهمية. رغم النوايا المعلنة لهذه الحكومة فإن حيدر العبادي يظل رهين الحسابات الداخلية والضغوط الخارجية، وخاصة منها الإيرانية. هذا ما يجعل الحكومة العراقية الحالية غير قادرة على تكريس استقلاليتها.
اضطرت حكومة حيدر العبادي – بسبب حالة الضعف والهشاشة التي تعاني منها – إلى بناء تحالف قوي مع الايرانيين الذين أصبحوا يشاركون الى جانب المليشيات الشيعية العراقية الممولة من نظام طهران، في استعادة السيطرة على المناطق التي خرجت عن سلطة بغداد.
شوهد الجنرال الايراني قاسم سليماني في الخطوط الأمامية للحرب ضد تنظيم داعش. تسبب هذا التحالف القائم بين حكومة بغداد ونظام طهران في تعميق تهميش السنة العراقيين وإذلالهم وهو ما جعلهم يرفضون الالتحاق بالمعركة ضد تنظيم داعش الذي ينكل بهم مثلما حدث لهم سنة 2007 بتحريض من سلطات الاحتلال الأمريكية في العراق. هذا ما جعل الباحث بيير لويزاد وغيره من المفكرين الاستراتيجيين يدعون في كتاباتهم وآرائهم إلى تقسيم العراق على أسس طائفية.
أي تسوية دبلوماسية للأزمة السورية؟
يوشك الصراع الدامي في سوريا أن يدخل عامه السادس على التوالي. في الأثناء تظل المحاولات والجهود الرامية إلى إيجاد تسوية دبلوماسية تفاوضية تصطدم بنفس المسائل والاشكاليات المتعلقة خاصة بتمثيلية المعارضة المناوئة لنظام دمشق والأطراف التي يجب أن تشارك في المحادثات. فاللاعبان الاقليميان الرئيسيان –تركيا والسعودية – يميلان إلى تأييد مشاركة تنظيمات مثل أحرار الشام غير أن بعض الأوروبيين والولايات المتحدة الأمريكية يعتبرون أن هذا التنظيم مقرب جدا من جبهة النصرة المتفرعة عن تنظيم القاعدة.
ترفض تركيا أيضا إشراك الجماعات الكردية التي تسيطر على ثلاثة أرباع المناطق الحدودية ما بين تركيا وسوريا. على هامش المفاوضات التي أجريت في جنيف أعلن الأكراد قيام حكم ذاتي فيدرالي في شمال سوريا وهو ما أثار حفيظة تركيا.
يظل الحوار غير المباشر بين نظام دمشق والمعارضة المناوئة له يصطدم بعقبة أخرى كبيرة تتعلق بدور بشار الأسد في سوريا ما بعد تسوية الأزمة السورية الراهنة. فالبعض يتمسك برحيل بشار الأسد – سفاح دمشق – قبل إجراء أي مفاوضات فيما يعتبر آخرون موالون لنظام دمشق أن شرعية الأسد غير قابلة للطعن وأن تنحيه عن الحكم غير مطروح على طاولة المفاوضات.

لونوفيل أوبزرفاتور





كلمات دالة

aak_news