العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

سينما

Only the Dead... فظائع حرب العراق بعدسة صحافي

الأحد ٢٠ مارس ٢٠١٦ - 03:00




أمضى الصحافي مايكل وير سبع سنوات في العراق. وسجلت يومياته المصوَّرة بعنوان Only the Dead مجزرة بكل معنى الكلمة.
في مرحلة ما خلال فيلم يصوّر أعماق حروب العراق الكثيرة، لا بدّ من أن تتساءل باضطراب: «هل من الضروري أن أشاهد عملاً مماثلاً؟». ففي أحد مشاهده، ترى المقاتلين المتشددين يخلون رصيفاً مقابل سوق ويطلقون النار على مخبر مشتبه فيه وهو راكع على ركبتيه ورأسه مغطى، ثم يركلون جثته بلامبالاة. وفي مشهد آخر، يعلّق المقاتلون المتشددين لصوصاً مزعومين من معاصمهم المربوطين على دعامة كي تتدلى أجسامهم قبل أن يخترقها الرصاص. أما الأكثر سوءاً، وإن كان يتّخذ طابعاً مختلفاً، فيتجلى من خلال وحشية الجنود الأميركيين الأقل حماسة ولكن الأكثر عجرفة. رغم ذلك، يبقى الجواب عن سؤالك: نعم، من الضروري أن نشاهد فيلم Only the Dead. لا تذهب أعمال العنف في العراق سدى. على العكس، شكّلت حافزاً وراء فيلم وثائقي مؤثر أعده مصوّر يدور حوله العمل، المراسل الأسترالي مايكل وير. تميّز وير بين المراسلين الذين غطوا المجزرة لأنه عاش في العراق طوال سبع سنوات دموية، عانى بعدها انهياراً قبل أن يستجمع شجاعته ليعدّ هذه «اليوميات المصوَّرة». كذلك يُعتبر وير فريداً لأنه تعمّق في مجريات الحوادث خلال عملية التمرد الأولى الموالية لصدام حسين، ومن ثم التكوين لما بات يُعرف اليوم بداعش. يقول: «شهدتُ ولادة ما صار يُدعى اليوم داعش. صوّرتُها في عملي». أعد وير Only the Dead، أحد أكثر الأعمال التي وُلدت من هذا الرعب قوةً وتأثيراً. بدأت هذه السلسلة من الفظائع قبل 13 سنة مع قرارات اتُخذت في لندن وواشنطن، إلا أنها ما زالت مستمرة وامتدت إلى دول أخرى، من بينها سورية وفرنسا وتونس. ويبدو أنها ستواصل تأججها في المستقبل المنظور وما بعده. بدأ عرض فيلم وير، الذي يروي قصته منذ بداية كابوسه عام 2003، على المنصات الرقمية، لكن البعض قد ينتقد هذا الصحافي لأنه عرض العنف على حقيقته وكما يريد المتمردون العراقيون إظهاره: عنف متأصل فيهم وفي القوات الغربية، على غرار معظم المقاتلين. فلا يمكنك أن تنسى المشهد الأخير، الذي يراقب فيه وير جنوداً أميركيين ويصوّرهم، فيما يفتشون ويهينون رجلاً أصابوه برصاصة قاتلة في الرأس، فينازع الرجل طويلاً، إلا أنهم يمتنعون عن تزويده بالإسعافات الأولية، بل يصيحون في وجهه: «مت بسرعة أيها الوغد». بدا وير شديد الصراحة في حديثه عن إعداده يومياته المصوَّرة هذه. يقول: «استغرقني تصوير الفيلم وقتاً طويلاً. فقد أمضيتُ في العراق سبع سنوات عشت خلالها في هذا البلد بشكل متواصل. ولما كنت أمضيت في العراق 11 شهراً كل سنة، فإنني اختبرتُ تجربة الحرب ذاتها كما فعل العراقيون، تعرضتُ للصدمات عينها، وعشت الحياة اليومية نفسها». بدأ وير التصوير في مطلع عام 2003 بالتعاون مع المراسل الأميركي توم بينينغتون، الذي اشترى «كاميرا فيديو صغيرة ثمنها 300 دولار»، فاستخدمها وير لإعداد يومياته. يخبر هذا الصحافي: «كنت أعمل مع مجلة تايم، وما كنت أخطط لإعداد فيلم. ولو فكرت في أن ما أصوره سيتحول إلى فيلم لكنت التقطت صوراً لمسائل أكثر بكثير، ولجاء العمل مختلفاً تماماً على الأرجح. لكنه ما كان ليتحلى بالصدق والعفوية اللذين يميزيان الفيلم، وما كان ليشكّل محاولة لعرض الحقيقية كما هي». وجد وير نفسه في بغداد مع «مئات المراسلين الآخرين الأكثر تمرساً». وعلى غرارهم، راح يستمع إلى «الأميركيين وقادة الحرب وهم يتحدثون خلال صيف عام 2003 عن «المجرمين» و»الإرهابيين». يوضح وير: «كلما أصغيتُ إليهم، أدركتُ أن الأميركيين يجهلون هوية مَن كانوا يطلقون النار عليهم والأسباب التي تدفعهم إلى ذلك. نتيجة لذلك، قررتُ استناداً إلى مبادئ الصحافة التقليدية الاطلاع على الوجه الآخر من القصة. فاكتشفتُ أن «العدو» المزعوم مختلف تماماً عما يصوَّر. ولاحظتُ أن ثمة فجوة كبيرة بين مَن يديرون الحرب والحرب بحد ذاتها». في مستهل الفيلم، يبدو وير متحمساً. ولكن ما إن ينتقل إلى الجانب التابع للمتمردين حتى تتبدل لهجته، فتلمسُ مدى انزعاجه بوضوح. يهمس الصحافي، فيما تستعد مجموعة من الرجال برؤوسهم المغطاة لشن هجوم بقذائف الهاون: «أعرف هؤلاء الرجال، وأشعر بالأسى حيال هذا الشريط. فقد قصدتُ قراهم، استمعت إلى مشقاتهم، واستشففت شعورهم بالظلم تحت سيطرة جيش محتل». بعد ذلك، تبدأ التفجيرات الانتحارية وكابوس العراق عام 2004، فيدرك وير أن هذا ليس من صنيع المتمردين الذين يعمل معهم، بل من صنيع أشخاص حتى هؤلاء الناس يخشونهم. وسرعان ما يحصل على شريط فيديو يُظهر للمرة الأولى انتحارياً وهو يستعد «للاستشهاد» ما يدعوه وير أول تحفة دعائية من إعداد أبي مصعب الزرقاوي، وكان عليه نقله إلى العالم. إذاً، بحث وير عن أنصار صدام. ولكن عندما عثر عليهم، وجده اتباع الزرقاوي، ما اضطره إلى المغامرة بدخول عالمهم المرعب. انطلاقاً من هذه المرحلة، يخوض الفيلم شبكة معقدة ومترابطة بين أزمة الصحافي الوجودية والرعب المخيف الذي صوّره في الوثائقي عبر نافذة ما كان أحد آخر ينظر منها، على حد تعبيره. فقليلون يستطيعون، على غرار وير، توضيح أن العراق، حتى بعد الغزو عام 2003 وإعلانات بوش وبلير المشينة عن النصر، ما كان يشهد حرباً واحدة، بل أربعاً على الأقل: الأولى بين الأميركيين والبريطانيين من جهة والمتمردين الأوائل (ضباط جيش صدام والمتعاطفون معهم) من جهة أخرى، الثانية الحرب التي شنها مَن يدعَون اليوم داعش، الثالثة الحرب الأهلية بين العراقيين أنفسهم، والرابعة حرب إيران ضد كل ما يُدعى بعثياً، هذا إن لم نأتِ على ذكر الأكراد. ثمة لحظة مؤثرة جداً في الفيلم عندما يبدأ وير بالاستعداد لتوديع موظفي مكتبه في العراق للاستمتاع بإجازة عيد الميلاد. يصورهم كلهم وهم يمطرونه بأمنيات سعيدة، ومن بينهم عمر. ولكن حين يعود وير إلى العراق، يكون عمر قد قُتل. عندما كان وير يعود من العراق كل سنة لإجازة قصيرة، يخبر: كنت أحمل معي مجموعة من الأشرطة، إلا أنني لم أشاهد أياً منها. اكتفيت بتكديس مئات الساعات من الأشرطة في علبة تابروير تحت سرير والدتي. وعام 2010، عاد وير إلى أستراليا وأدرك أن الوقت قد حان لإنهاء حربه. يضيف: طوال السنتين التاليتين، انعزلت عن الناس. كنت أصارع الألم الذي يعتصرني. ما كنت أشعر به كل يوم أو كل ساعة، بل كل دقيقة. وما كان له وجه أو صوت أو مكان. كان ألماً لا شكل له. صرت أتخيل عبوات نافسة تومض على جانب الطريق أثناء قيادتي السيارة فأسرع، علماً أن الوميض ناجم عن كاميرات التقاط السرعة الزائدة. كذلك، صرت أخرج عن مساري لأتفادى القليل النفايات في الطريق. نتيجة لذلك، خسرت رخصة القيادة. رغم ذلك، شعرت بضرورة أن أطلع على محتوى الأشرطة، فبدأت بمشاهدة مقتطفات منها. ولكن سرعان ما كنت تجتاحني موجة مشاعر خاطئة. إلا أنني نجحت في النهاية في تخطي العقبات، وشعرت بالفخر لأنني استطعت استغلال الأشرطة على نحو ملائم. يُعتبر النقاش حول تأثير الحرب في الطبيعة البشرية قديماً قدم البشرية بحد ذاتها. لذلك، فكرت في أنني إن أستطعت مع الفيلم إضافة فكرة إلى هذا النقاش عن تجربتي وتجربة العراقيين من حولي، أكون قد حققت إنجازاً. تعاون وير مع زميلته الأيرلندية بادي ماكدونالد. عملا معاً على تحديد محتوى الأشرطة. إلا أن المشروع توقف مجدداً. يوضح: مررت بمرحلة أخرى من الانهيار. لكنني عبرت حقل ألغام مخاوفي وعجزي عن الكتابة وتمسكت بالرواية الوحيدة التي أملكها: الكاميرا ومَن يقف خلفها، حتى لو ضمت الأشرطة مشاهد نسيتها. فقد رأيت في إحدى اللقطات صورتي منعكسة على واجهة متجر. وهكذا بدأنا إعداد الفيلم. عندما يصل المشاهد إلى نهاية الوثائقي ويرى أمام عينيه موت ذلك الرجل العراقي البطيء وهو محاط بالجنود الساخرين، يفهم ما عاناه وير: لا نعرف بكل بساطة ما علينا التفكير فيه أو القيام به، لذلك نكتفي بالمشاهدة، على غراره.





كلمات دالة

aak_news