العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

كيف ننظر إلى إرث أوباما؟!

بقلم: إيرين أوبري كابلان *

الخميس ١٧ مارس ٢٠١٦ - 03:00



من هو أوباما وكيف سُيذكر في التاريخ؟ لقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لمرحلة ما بعد عهد الرئيس باراك أوباما وما الانتخابات التمهيدية التي انطلقت من ولاية آيوا إلا دليلا على العد التنازلي لمرحلة سياسية جديدة قد بدأت.
يعتبر الكثيرون أن أوباما يمكن أن يعتبر إلى حد ما رئيسا ناجحا غير أنه أبعد ما يكون الرئيس الذي قاد التغيير. فقد فشل في تحقيق التغيير الذي وعد به في حملته الانتخابية أو لدى توليه مقاليد الرئاسة رسميا.
لم يكن ذلك التغيير المأمول سياسيا فقط بل إنه كان أيضا روحانيا – أي التغيير الذي يساهم في توحيد الولايات المتحدة الأمريكية ويساعدها على الارتقاء فوق الاعتبارات العرقية. لقد ظلت الانقسامات العرقية كما أن الرئيس أوباما يترك الولايات المتحدة الأمريكية وهي في حالة احتقان عرقي كبيرة. منذ البداية كان الرئيس أوباما يعني شيئا مختلفا للسود عما يعنيه لبقية الأمريكيين.
كتب شارلز بلو مقالا نشر في صحيفة نيويورك تايمز وقد عبر عن ذات الأفكار التي أحملها. فقد اعتبر أن باراك أوباما سيترك إرضاء كبيرا لدى السود وخاصة الشبان الأمريكيين. يعتبر الكاتب أيضا أن بقاء أوباما في البيت الأبيض الأمريكي على مدى فترتين رئاسيتين من شأنه أن يعزز صورة السود لأجيال قادمة.
هذا مجرد جزء من إرث أوباما ولا يمثل بالتالي الجزء الأهم. هذه هي المشكلة التي يواجهها أوباما. هذا ما جعل الكاتب يختار عنوان «الإرث الآخر لأوباما». فالخصوم والمنتقدون البيض ينظرون من زاوية مغايرة إلى أوباما الذي دخل التاريخ كأول رئيس أسود يدخل البيت الأبيض الأمريكي. فأوباما في نظرهم هو عنوان الفشل الذريع وتراجع الدور الأمريكي وكل ما هو سيئ.
خلاصة القول، رئاسة باراك أوباما لم تحقق أي شيء من التغيير الذي وعد بها في حملته الانتخابية أو يوم تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. فالتغيير الحقيقي يتطلب إنجازات كبيرة وعميقة تترك أثرها الكبير على أرض الواقع – لم يستطع الرئيس أوباما أن يحقق اختراقا كبيرا في أوساط البيض الأمريكيين – بما في ذلك الكونجرس بمجلسيه والذي ظل يناصبه العداء ويسعى لتقويض سياساته وبرامجه.
لطالما بدا لي الرئيس أوباما كشخص وحيد. أعني أنه يبدو من ناحية الشخصية التي تنحدر من الأمريكيين من اصل إفريقي وقد صنع التاريخ عندما دخل البيت الأبيض كأول شخصية من هذه الأقلية تتولى مقاليد الرئاسة.
من جهة أخرى نجد الصورة المناقضة حيث إنَّ أوباما لا يعدو أن يكون مجرد رجل أسود آخر ظل على مدى سبع سنوات يحاول أن يشق طريقه في بيئة عدائية يسيطر عليها الأمريكيون البيض. لقد سار في هذا الخصوص على نهج البطل الشعبي جاكي روبنسون وأولئك السود الذين يجيدون رياضة البيسبول والذين يكابدون حتى يحظون بالقبول رغم التحديات والعراقيل العرقية في الولايات المتحدة الأمريكية.
لا شك أن حالة الاحتقان التي سادت الفترة التي أمضاها الرئيس أوباما في البيت الأبيض خير دليل على أن أوباما لم يكن رجل التغيير الذي وعد بأن يكون هو. ففترة أوباما كرست في الحقيقة العوامل الدينامية التاريخية التي ظلت دائما تحكم المجتمع الأمريكي وجعلت التناقضات العرقية تتجلى للعيان بأكثر حدة.
إن هذه الانقسامات تعود إلى تلك الأسس التي أقامت البنية العرقية والاجتماعية والتي تعود إلى قرابة أربعمائة سنة. ظلت وسائل الاعلام تتجاهل الأمر كما أنها ظلت تتهرب من إدارة المسألة العرقية أو التطرق إلى العنصرية.
لا تزال ذهنية تفوق العرق الأبيض على العرق الأسود وبقية الأعراق متجذرة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد تجلت أكثر بوجود أول رئيس ملون من السود الأفارقة الأصل في البيت الأبيض الأمريكي الذي تعاقب عليه رؤساء بيض من دون سواهم منذ نشأة الولايات المتحدة الأمريكية قبل أكثر من قرنين.
بقطع النظر عما يعنيه أوباما للسود الأمريكيين وبقطع النظر عن مدى تأثير خطاب التغيير في السود وبقية الأقليات الأخرى وبقطع النظر عن المد الذي وصل إليه في «تغيير» حياتنا «فإنّ مدى التأثير الذي سيتركه لدى البيض هو الأكثر أهمية وهو الذي سيشكل معيارا كبيرا على ما حققه. فالمحللون يعتبرون أن تأييد السود للرئيس أوباما كان من تحصيل الحاصل غير أن القاعدة الانتخابية من البيض والتي تشكل الجانب الأكبر من الرأي العام الأمريكي هي التي ستحدد مدى أهمية رئاسة أوباما كما أنها هي التي ستحدد طبيعة الارث الذي سيتركه في التاريخ السياسي الأمريكي.
هذا مثال يبرز الطبيعة غير المتكافئة لاندماج مكونات المجتمع الأمريكي علما أن مسألة الاندماج شكلت أحد الشعارات التي قامت عليها حملة الرئيس أوباما وفترتا رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية. فقط ظل أوباما يحاول أن يحقق الاندماج سواء كرئيس يجلس في المكتب البيضاوي ويخاطب الشعب الأمريكي أو كمرشح للرئاسة يرفع شعار «أمريكا واحدة موحدة».
في الحقيقة إن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية مليء بمثل هذه المحاولات الفاشلة لتحقيق الاندماج، كما أن ذاكرة السود تحفظ جيدا هذه المحاولات الفاشلة. لقد عشنا جميعا بعض هذه المحاولات الفاشلة لتحقيق الاندماج في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.
عندما فاز السيناتور باراك أوباما في الانتخابات ودخل البيت الأبيض كأول رئيس أسود يجلس في المكتب البيضاوي كان الجميع يتوقعون في الحقيقة أن يواجه بمقاومة كبيرة من تيارات واسعة من البيض في المجتمع الأمريكي. ذلك ما يحدث عندما يحاول شخص من السود أن يكرس سلطته أو حتى يبرهن على كفاءته في بيئة يسيطر عليها البيض ولم ينجح فيها الكثير من السود من قبل في تكريس سلطاتهم وكفاءتهم.
لقد كنا نعتقد أن تلك الهالة والجاذبية التي يتمتع بها الرئيس أوباما كانت ستحقق تغييرا مدهشا في المجتمع الأمريكي. لقد أججت فترة رئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة معارك كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وكانت المدارس أحد أكبر ساحاتها والعديد من الفضاءات العامة الأخرى وصولا إلى الكونجرس الأمريكي بمجلسيه وهوليود وسط الانتقادات المتصاعدة باحتكار الممثلين البيض لجوائز الأوسكار السينمائية.
لقد كانت المعركة شرسة على قدر شراسة خصوم إدارة باراك أوباما. صحيح أن أوباما قد حقق بعض الانتصارات الداخلية على وجه الخصوص كما أنه امتاز بحضوره أمام الكاميرا وفي وسائل التواصل الاجتماعي غير أن ذلك لم يشفع له أو يساهم بالتالي في تحقيق التوازن في ظل تنامي العداء الذي يكرسه حزب «الشاي» والذي تغلغل في صلب الحزب الجمهوري وجانب كبير من الرأي العام الأمريكي. لم تكتف هذه الأطراف بانتقاد الرئيس باراك أوباما بل إنها بذلت كل ما وسعها من أجل إذلاله وكأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات شخصية.
ظل الأمريكيون السود وبعض الأقليات الأخرى يتابعون جهود الرئيس أوباما على مدى ثماني سنوات وهو ما لم يفعله البيض حيث إنَّ أغلبهم قد ظلوا ينتقدونه. لا أعتقد أنَّ أوباما كان «رئيس التغيير» رغم أنه رفع شعار التغيير.
j إرين أوبري كابلان: مؤلفة كتاب «قلبي أوباما»
لوس أنجلوس تايمز






كلمات دالة

aak_news