العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أمريكا ومفهوم العمق الاستراتيجي

بقلم: ستيفن كنزر

الأربعاء ١٦ مارس ٢٠١٦ - 03:00



لا توجد أي دولة في العالم تحب أو تقبل بأن يكون لها أعداء على حدودها. هذه حقيقة بديهية تحكم العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الدول. أما القوى العظمى فهي تسعى دائما للهيمنة على المجال الحيوي القريب منها. إن الاعتراف بهذا المبدأ الأساسي في العلاقات الدولية من شأنه أن يساعدنا كثيرا على فهم العالم بكل عمق.
لقد ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية أمنها القومي في أمريكا الشمالية منذ مدة طويلة. فقد تم قمع السكان الهنود الأصليين كما أن الصراعات على النفوذ في المنطقة بين القوى الكبرى قد تلاشت. إن المحيطات الكبيرة والمترامية تحمي أمننا القومي وتقينا من خصومنا وأعدائنا. لقد أنعم علينا الرب بما يسميه الضالعون في الجغرافيا السياسية «العمق الاستراتيجي».
قلة فقط من الدول تقدر قيمة العمق الاستراتيجي مثلما تدرك الخطر الذي يتهددها عندما تفتقر إلى العمق الاستراتيجي وتتحول بالتالي إلى لقمة صائغة. قد تكون روسيا أكثر دولة في العالم تدرك معنى وقيمة العمق الاستراتيجي. فقد كانت لروسيا عبر تاريخها الطويل تجربة طويلة مع الغزاة الأوروبيين من نابليون بونابرت إلى أدولف هتلر.
إن الرغبة في التصدي للغزو الأجنبي هي التي جعلت الاتحاد السوفيتي يهيمن على بلدان أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. أما الأمريكيون فقد رأوا في تلك الخطوات والتحركات بداية للهيمنة السوفيتية على العالم. لقد كان الاتحاد السوفيتي يريد في الحقيقة أن يقيم حزاما من الدول التي تدور في فلكه من أجل الحماية من هجمات أجنبية.
لا تزال روسيا حتى اليوم تنظر إلى العالم من خلال هذا المنظار. فقد اعتبرت سلطات موسكو أن القرار الذي اتخذه الحلف الأطلنطي بنشر قواته العسكرية على طول الحدود الروسية في التسعينيات من القرن الماضي يمثل تهديدا للأمن القومي الروسي.
أصبحت روسيا اليوم أكثر قدرة على المقاومة وهي تشدد على أنها ستمنع نشر قوات أمريكية أو أسلحة نووية في بقية الدول المجاورة لها. هذا ما يفسر الاستعداد الذي تبديه روسيا في الوقت الحالي لاستخدام كل الوسائل الممكنة من أجل الحيلولة دون انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف الأطلنطي.
إن أي زعيم روسي يفعل العكس سيتحول إلى منبوذ في بلاده ويتهم بتقويض الأمن القومي الروسي وتعريض البلاد للتهديد. هذا ما يفسر الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين.
تدرك الصين أيضا مدى أهمية مسألة العمق الاستراتيجي، لذلك فإنّ سلطات بكين تسعى اليوم جاهدة لتعزيز أمنها في محيطها الحيوي في جنوب بحر الصين وهي بذلك تريد أن توسع نطاق هيمنتها الإقليمية. تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن هذه الجهود التي تبذلها الصين تعكس تنامي سياستها التوسعية في المنطقة الآسيوية.
ردت الولايات المتحدة الأمريكية الفعل بتكثيف المساعدات العسكرية للدول المجاورة للصين لمساعدتها على كبح الطموحات التوسعية الصينية. لا شك أن هذه المساعدات الأمريكية تقلل من قدرة واستعداد هذه الدول للتعايش مع المصالح الصينية. قد تفعل هذه الدول ذلك وتتعايش مع المصالح الصينية لو أنها لا تحصل على الدعم المالي لميزانياتها من الولايات المتحدة الأمريكية.
إن السياسات التي تقوم بها إيران في منطقة الشرق الأوسط تشكل مثالا آخر على نظرية العمق الاستراتيجي على أرض الميدان. فالإيرانيون يبادرون ويوسعون نطاق ما يعتبرونه المجال الحيوي سواء في العراق أو في سوريا وهم يريدون أن يبعدوا هذه التقلبات التي تهز المنطقة وخطر الجماعات المسلحة عن حدودهم.
لهذا، تدعم سلطات طهران الجماعات الموالية لها والتي تقاتل بالوكالة عنها في سوريا والعراق. يقال للأمريكيين أن ما تقوم به إيران يدخل في إطار السعي للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. أما الإيرانيون فهم يسوقون سياساتهم على أنها ترمي إلى التصدي لأعدائهم.
هذه إشكالية أمنية كلاسيكية، فالدول تتخذ خطوات من أجل حماية أنفسها غير أن مثل هذه الخطوات تنطوي على ما يبدو على تهديد للآخرين وهو ما يزيد من حدة التوترات. فالكثير من التوترات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أو بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين أو بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إنما هي ناجمة عن هذه المسألة.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى للحفاظ على أمنها من خلال إماطة كل مشكلة في بلدان الجوار. الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها من جيران سوى كندا والمكسيك. المشكلة أننا نحن الأمريكيين لا نعترف بحاجة الدول الأخرى إلى الحفاظ على عمقها الاستراتيجي على غرار ما تنفذه بلادنا من سياسات.
نقل عن ميكيافيلي ذات مرة قوله إنه يجب التعامل مع الأعداء وفق طريقتين، إما أن نصالح بينهم أو نقضي عليهم. إذا ما ترجمنا مقولة ميكيافيلي إلى لغة العصر الحديث فإنّ هذا يعني أن الدول قد تستطيع تأمين عمقها الاستراتيجي والدفاع بكل ما تملكه من قوة وكل ما أمكن لها. إذا لم تتوافر هذه القوة يتعين على الدول أن تسعى إلى الحد من الأخطار بالوسائل السلمية. هذا يتطلب التفاوض مع الخصوم الذين يستعرضون عضلاتهم على حدودنا أو غير بعيد عن حدودنا.
تركيا وإسرائيل تواجهان هذا التحدي. فالقادة الأتراك والإسرائيليون يتحدثون عن الأخطار الوجودية التي توجد على حدودهم – الأكراد بالنسبة لتركيا والفلسطينيون بالنسبة لإسرائيل. على غرار قادة كل الدول القوية الأخرى، الأتراك والإسرائيليون يريدون عمقهم الاستراتيجي. سنوات من الصراع ضد الأكراد والفلسطينيين واقع اجتماعي وديمغرافي وأمور أخرى عديدة تجعلنا نقول إن الأتراك والإسرائيليين لن يقضوا على ما يعتبرونه تهديدات وأخطار بمجرد اللجوء إلى القوة.
المفاوضات هي الطريقة المناسبة التي يتعين على الأتراك والإسرائيليين انتهاجها من أجل ضمان أمنهم على المدى البعيد. تركيا وإسرائيل تعيشان اليوم في دوامة الصراع كما أنهما تنهجان سياسة المواجهة التي تهدد العمق الاستراتيجي الذي يسعيان لحمايته وقد تكون النتائج عكسية.
في الملحق الذي أضافه لنظرية مونرو التي تعود إلى أكثر من قرن من الزمن أعلن الرئيس ثيودور روزفلت أن «الولايات المتحدة الأمريكية ستستخدم القوة للإطاحة بأي عدو يتحدى الولايات المتحدة الأمريكية في العالم الغربي».
أصبحت الدول الأخرى تتحرك وفق نفس هذا المبدأ. يجب ألا نكتفي بالقول إن هذه الدول تمثل خطرا يتهدد النظام العالمي. يجب أن نعترف بأن هذه الدول في حاجة أيضا إلى إبعاد أعدائها عن حدودها.
بوسطن جلوب






كلمات دالة

aak_news