العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تونس أمام فوَّهة الإرهاب



تونس التي انطلقت منها أول شرارة لما اصطلح على تسميته الربيع العربي، والدولة العربية الوحيدة التي تلقت أقل الأضرار، حتى الآن، من بين الدول التي أصابتها شرارات هذا «الربيع»، هذه الدولة تتعرض الآن لموجات متلاحقة من الهجمات الإرهابية حيث تنشط الجماعات الإرهابية على حدودها المتاخمة لليبيا والجزائر، بل إن ليبيا تشكل مصدر القلق بالنسبة الى السلطات التونسية، حيث أوجدت الجماعات الإرهابية لها فوق الأراضي الليبية قواعد ثابتة ومعلومة للجميع، يأتي ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في مقدمة هذه الجماعات. وبالتالي، فإن تونس التي قيل عنها إنها خرجت «منتصرة» و«فائزة» بورود «الربيع» بعد الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، هي الآن أمام فوهة الخطر الإرهابي.
صحيح أن تونس بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي أرست نظاما سياسيا يعترف بالتعددية الحزبية وبالحريات العامة، ورغم هجمة قوى الإسلام السياسي الشرسة التي حاولت قطف جميع ورود ما بعد نظام بن علي، فإن تونس «الجديدة» استطاعت الاحتفاظ بالمكاسب التقدمية التي تحققت في ظل النظام الذي أرسى قواعده مؤسس تونس الحديثة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي يعود إليه الفضل في تحصين الشعب التونسي من آفة التطرف الذي تعيشه العديد من شعوب الجوار، بعد أن استطاع تقنين الحداثة وتأمين المكتسبات الاجتماعية الكبيرة التي تحققت للشعب التونسي.
هذا الارث التقدمي الذي ورثته تونس من نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ساعد الشعب التونسي على تقليل الخسائر والأضرار التي نجمت عن التحولات العنيفة التي سميت بــ «الربيع العربي» الذي بدأ من تونس، قياسا بالأضرار التي أصابت شعوبا عربية أخرى سارت على نفس الطريق التونسي، كما هو الحال في سوريا وليبيا ومصر، لكن رغم ذلك، فإن تونس لم تسلم من لهيب الإرهاب ومحاولة العناصر الإرهابية من داخل المجتمع التونسي إيجاد مواطئ قدم لها فوق الأرض التونسية على غرار دول الجوار وخاصة ليبيا.
ربما في المنظور القريب، فإن تجربة الانفلات الذي تعيشه ليبيا بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، قد لا تتكرر في تونس نظرا لطبيعة الشعب التونسي والتطور الاجتماعي الكبير الذي قطعة في ظل نظام الحبيب بورقيبة والرئيس السابق زين العابدين بن علي، لكن ذلك لا يعني أن قوى التطرف والإرهاب سوف تترك تونس تتطور كما يشاء شعبها والنخب السياسية فيها، وعلينا ألا ننسى أن هناك عناصر تونسية متطرفة كثيرة تقاتل في صفوف (داعش) والجماعات الإرهابية الأخرى في سوريا وليبيا، وأن هذه العناصر تستهدف تونس، بين الحين والآخر، كما حدث مؤخرا في مدينة بنقردان الواقعة على الحدود مع ليبيا، حين تعرضت مراكز الشرطة والجيش لهجوم مسلح اسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين.
عملية «بنقردان» ليست العملية الأولى التي تنفذها عناصر إرهابية داخل الأراض التونسية، فبعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي شهدت تونس عمليات إرهابية دموية وخطيرة، مثل الهجوم على المتحف الوطني في العاصمة تونس والعملية الإرهابية الدموية التي تعرض لها المنتجع السياحي في سوسة، كل ذلك مؤشر على أن استقرار تونس بعد حكم زين العابدين بن علي يبقى هشا وعرضة للخطر، ذلك ليس سببه عيب النظام السياسي القائم في البلد الشقيق، أكثر ما هو نتيجة للأوضاع غير المستقرة التي تعيشها المنطقة بشكل عام، ومنطقة الجوار التونسي بشكل خاص، أضف إلى ذلك، أن العناصر الإرهابية التونسية وجدت لنفسها هامشا أكثر سعة للحركة في الوقت الراهن.
فتونس التي أطلقت شرارة «الربيع العربي» أمامها طريق طويل ووعر لبلوغ الأهداف التي ينشدها الشعب التونسي، فالحرية السياسية والتطور الاجتماعي، وإن كانت زادا مهما في حياة الإنسان، إلا أن العدالة والأمن والاستقرار تبقى أهدافا في غاية الأهمية بالنسبة الى جميع شعوب العالم، وخاصة شعوبنا العربية التي قاست ويلات عدم الاستقرار وغياب العدالة الاجتماعية والقمع السياسي، وتسلط القوى المحافظة والرجعية على خصوصياتها الاجتماعية بدعم واحتضان من أنظمة سياسية وجدت في مثل هذه القوى عونا لها لاستمرار ممارسات غير عصرية.
من المؤكد أن الشعب التونسي الذي خرج قبل أكثر من خمس سنوات مطالبا بالحرية والعدالة الاجتماعية متمسكا بالمكاسب التقدمية التي تحققت على مدى أكثر من خمسة عقود من عمر الدولة التونسية الحديثة، سوف لن يقبل بأن يكون لقمة سائغة وصيدا سهلا أمام قوى التطرف والإرهاب التي لن تهدأ ولن تتوقف عن استهداف تونس الشعب والوطن، قبل أن يتحقق لها مأربها المتمثل في تكرار التجربة الليبية حيث إن هذه القوى تسرح وتمرح في ظل انعدام الاستقرار السياسي والأمني الذي تسببت فيه جريمة غزو ليبيا من قبل حلف شمال الأطلسي مدعوما بقوى عربية وإقليمية لم تحسن حساب نتائج مثل هذه الأعمال التي يدفع ثمنها الآن الشعب الليبي أكثر من غيره.، الحالة الليبية يجب ألا تتكرر في تونس، وهذا مرهون، قبل كل شيء بإرادة الشعب التونسي قبل أكثر من غيره.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//