العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تبقى مصر صمام الأمان القومي



في موقف يكتسب أهمية خاصة في الظروف الراهنة، صدر عن وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي تصريح أوضحت فيه بجلاء الموقف المصري المبدئي من الأزمة السورية التي مضى على اندلاعها أكثر من خمس سنوات، قال التصريح المصري الذي ورد على لسان المستشار أحمد أبو زيد المتحدث باسم الخارجية: «إن الحفاظ على كيان الدولة السورية هو خط أحمر وكل شيء آخر يرتضيه الشعب السوري ويتوافق عليه فهو شأن داخلي»، سوريا والوطن العربي بشكل عام بحاجة إلى مصر القوية الحافظة لتماسك العلاقات العربية العربية حيث ظلت مصر تاريخيا هي الضامن الأكبر للأمن القومي العربي وكانت في طليعة الدول الرافضة للمساس بأمن ووحدة أي دولة عربية، بل دخلت حروبا من أجل ذلك.
شهد الدور المصري القومي تراجعا ملحوظا وكبيرا بعد وفاة الزعيم جمال عبدالناصر في سبتمبر من عام 1970 وتسلم الرئيس المصري الراحل أنور السادات مقاليد الحكم حيث بدأت خطوات الانحراف عن النهج والتوجه القومي الناصري حينها سجلت القاهرة الساداتية أولى خطوات التخلي عن الدور القومي الكبير الذي اضطلعت به مصر على مدى سنوات الحكم الناصري، وشكلت قضية فلسطين محورا لهذا الدور، لكن الرئيس السادات ذهب عكس ذلك حين فتح أول قنوات رسمية علنية مع الكيان الصهيوني وختمه بتوقيع اتفاقيات «كامب ديفيد» التي أخرجت مصر عن ساحة الصراع مع العدو وبذلك ترجم الرئيس السادات كلمته المشهورة التي قالها بعيد انتهاء حرب أكتوبر عام 1973 من «أنها آخر حرب» وهذا ما تم بالفعل.
ما أفرزته اتفاقيات «كامب ديفيد» من نتائج انعكست سلبا على الدور القومي المصري حيث تسببت في فتور العلاقات بين الدول العربية ومصر لفترة طويلة جدا، وهذا ما لم يحصل إطلاقا حيث كانت مصر دائما هي المأوى العربي للجميع، فليس هناك مكان لمصر غير مركز القيادة والريادة العربية، وبالتالي فإن مواقف مصر من القضايا العربية المختلفة يعد المؤشر القوي على الاهتمام القومي بهذه القضية أو تلك، فمصر مثلا لعبت دورا عربيا قويا وقياديا في حرب تحرير دولة الكويت الشقيقة من الاحتلال العراقي، وهذا الدور يمكن أن تلعبه أيضا فيما يتعلق بالقضية السورية، وخاصة في ظل كل المؤشرات التي تبوح عن النوايا العدوانية التوسعية التركية.
فعندما يصدر عن مصر موقف حيال الدولة السورية والتأكيد على أن الحفاظ على كيان الدولة السورية هو «خط أحمر بالنسبة لمصر»، فهذا يعني أن مصر مستعدة للقيام بدورها القومي المطلوب للحيلولة دون تكرار السيناريو العراقي الذي بات معروف النتائج المستقبلية حيث شبح التقسيم العرقي والطائفي للدولة العراقية يلوح في الأفق، وهو السيناريو الذي يراد له أن يطبق في سوريا حيث صدرت تلميحات التقسيم من أكثر من مسؤول دولي، والأمريكي منهم بالدرجة الأولى، حيث الظروف التي تمر بها الدولة السورية لا تقل سوءا وصعوبة عن الظروف التي يعيشها العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وتدميره أجهزة الدولة الأساسية الحافظة للكيان العراقي.
الإشارة المصرية إلى الدولة السورية واعتبار الحفاظ عليها بمثابة الخط الأحمر بالنسبة لمصر، هو موقف في غاية الأهمية في الوقت الحاضر، صحيح أن مصر تعاني من صعوبات اقتصادية ومشاكل سياسية كثيرة وكبيرة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير والتغييرات الكبيرة التي حدثت فيها بعد إقصاء الرئيس السابق محمد مرسي عن سدة الحكم، لكن هذه الصعوبات، مهما بلغ حجمها إلا أنها لا يمكن أن تكون عائقا دون أن تلعب مصر دورها القومي، ولا ننسى أن سوريا بالنسبة لمصر بمثابة الرئة الثانية نظرًا إلى تاريخية العلاقة بين الدولتين والشعبين الشقيقين، أضف إلى ذلك أن مصر الحالية تدرك تماما نوايا وخبايا السياسة التركية في المنطقة.
مصر التي وقفت على مدى خمس سنوات من عمر الأزمة السورية وقفت تراقب الموقف عن كثب ولم تنزلق بحدة إلى جانب المشاريع التي تستهدف تخريب الدولة السورية وتفتيت الدولة ووحدتها الجغرافية والسياسية، حيث تدرك القيادة المصرية ان هناك فرقا شاسعا بين مسألة تغيير النظام السياسي في هذا البلد أو ذاك، وبين تدمير الدولة، ولا أعتقد أنَّ هناك من يملك ذرة من العقل والتفكير سيكون غافلا عما أفرزته التجربة العراقية من كوارث حقيقية، ليس على الوطن والشعب العراقي فقط، وإنما على المنطقة بشكل عام، بما في ذلك مصر التي تأثرت بتداعيات تلك الجريمة.
العديد من الدول العربية، والوطن العربي بشكل عام تمر بواحدة من أصعب المراحل في تاريخها، وأن هناك الكثير منها مهددة من الداخل ومن الخارج، بما في ذلك مصر التي تبقى هي الهدف الأهم في مشاريع تفتيت المنطقة العربية باعتبار مصر بؤرة الثقل القومي والقوة الأكثر تكاملا وتأثيرا على مجرى الأحداث، فحين ابتعدت مصر عن القضية الفلسطينية بسبب اتفاقيات كامب ديفيد، تراجع الاهتمام الدولي بهذه القضية، والحال نفسه ينطبق على الكثير من القضايا العربية الأخرى، ومنها بطبيعة الحال القضية السورية والليبية كذلك، فالدور المصري مطلوب الآن وقبل أي وقت مضى للحيلولة دون استمرار عجلة التفتيت والتدمير، فبدون مصر فإن الوطن العربي برمته سوف يبقى يعاني من الاختراقات والاستهدافات المستمرة لكياناته المختلفة، وستبقى مصر تحت مجهر هذه الاستهدافات لأن إضعاف مصر وتهميش دورها القومي يحقق الأهداف الشريرة وفي مقدمتها تدمير دولنا وأوطاننا.







إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//