العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أي سوريا العلمانية تريدها أمريكا؟



«أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أتعجب»، هذا المثل ينطبق تماما على ما صدر عن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري مؤخرا من تصريح بشأن رؤية بلاده لسوريا المستقبل، حيث أكّد «أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا هو الحفاظ على وحدتها السياسية والجغرافية وأن تكون علمانية»، هذا الموقف الجميل والمهم لا يعدو أن يكون موقفا نظريا، ذلك أن المواقف العملية للولايات المتحدة الأمريكية من الأزمة في سوريا تتناقض مع هذا الإعلان، وخاصة أن ما يحدث في سوريا الآن هو تدمير منهجي ومنظم لأركان الدولة السورية، فالمسألة أكبر من قضية الخلاف مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد وما إذا كان «ديمقراطيا» من عدمه، وهذه حقيقة تعرفها الولايات المتحدة الأمريكية جيدا.
من حقنا أن نشك، بل لا نصدق أهداف الموقف الأمريكي التي أعلنها وزير الخارجية كيري من مستقبل الوحدة الإقليمية والسياسية للجمهورية العربية السورية وطبيعة النظام السياسي المنشود، فالتجارب السابقة تؤكد التناقض الصريح بين ما هو معلن وما هو مبطن في أذهان مخططي ومنفذي أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة، وتجاه دول معينة، فالذي يريد مستقبلا علمانيا للدولة السورية، ما كان عليه أن يطيح ويدمر النظام العلماني في العراق، فما حدث في العراق ليس إسقاطا لنظام سياسي يقوده حزب علماني، حزب البعث العربي الاشتراكي، وإنما هو إسقاط للدولة العراقية ووضع وحدة البلاد السياسية والديمغرافية تحت وطأة التهديد المباشر.
فإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد لمستقبل سوريا أن يكون دولة علمانية حقا، فلماذا لم تعمل على الحفاظ على طبيعة النظام العلماني العراقي؟ نحن هنا لا نتحدث عن النظام السياسي للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإنما عن قواعد النظام العلماني التي دمرتها الولايات المتحدة الأمريكية حين نفذت جريمة غزو العراق وحولته من بلد تحت قيادة حزب علماني، إلى بلد تقوده الأحزاب الدينية التي ترتكز في توجهاتها وسياساتها إلى القواعد المذهبية التي تسببت في تشويه الفسيفساء الجميلة للتنوع الثقافي والديني والعرقي في العراق.
فما حدث للعراق بسبب جريمة الغزو الأمريكية، يحدث الآن في سوريا، باختلاف أن أسباب التدمير مختلفة، فالولايات المتحدة الأمريكية احتاجت لتدمير العراق ومستقبله أن تختلق حججا وأكاذيب مثل أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهي حجج وأكاذيب لا يمكن تكرارها بالنسبة إلى سوريا، وخاصة أن العذر والحجة لتدمير سوريا متوافرة تحت مظلة «الثورة» ضد النظام القمعي لحزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة الرئيس السوري بشار الأسد، مع أن أمريكا تعرف جيدا، أن الثورة الحقيقية لا تدمر الأوطان والشعوب، مهما تعارضت واصطدمت مع النظام السياسي القائم.
فأمريكا وغيرها من القوى الدولية والإقليمية بعد أن توغلوا في تأجيج الأزمة السورية وحولوا ثورة المطالب السياسية المشروعة للشعب السوري إلى مدخل وأداة لتدمير سوريا، فإنّ الحديث عن مستقبل سوريا العلمانية الموحدة لا قيمة ولا تأثير له، فالأرض السورية تعج بشتى ومختلف المنظمات الإرهابية المتطرفة التي لا تؤمن بأي شكل من أشكال التعدد العرقي أو الديني بل والسياسي أيضا، فأي دولة علمانية يمكن أن تخلق في ظل وجود منظمات إرهابية متطرفة مثل ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام (وداعش) وكذلك فرع تنظيم القاعدة الإرهابي في سوريا المعروف بجبهة (النصرة)، إلى جانب غيرها من المنظمات الإرهابية.
لا نقول إن مستقبل سوريا كدولة موحدة وقابلة للتطور في ظل نظام علماني يؤمن الحرية والحياة لجميع مكونات الشعب السوري بغض النظر عن انتماءاته العرقية والدينية والمذهبية بات في مهب الريح، فالأمل في الحفاظ على الدولة السورية يبقى قائما، لكن ذلك مرهون بتغيير المواقف الإقليمية والدولية من مستقبل سوريا، ليس المقصود تغيير مواقف هذه الأطراف من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فالشعب السوري يستحق نظاما متطورا سياسيا وحقوقيا يختلف تماما عن النظام الذي يحكمه الآن، وإنما المطلوب من القوى التي تقوم بتدمير الدولة السورية منذ أكثر من خمس سنوات متواصلة تحت ذريعة «دعم» «الثورة» والمطالب الشعبية أن تكف عن هذه السياسة الهدامة.
كان يجب على الولايات المتحدة الأمريكية، لو كانت صادقة حيال مستقبل سوريا وأهمية الحفاظ على علمانيتها، أن تتعظ من تجربتها في العراق التي لا تزال آثارها المدمرة ماثلة أمام الجميع، فالعراق الآن قد طلق الصفة العلمانية التي حافظ عليها منذ الملكية وحتى سقوط آخر نظام سياسي وهو نظام الرئيس الراحل صدام حسين، وما ينطبق على العراق نجده ينطبق على سوريا أيضا، التي يبدو من خلال التطورات الدراماتيكية الخطيرة التي يشهدها منذ أكثر من خمس سنوات، أنه يسير على خطى ما حصل لشقيقه العراق، وهذا ما لا يتوافق مع طبيعة الشعب السوري نفسه، فهذا الشعب بطبيعته علماني الهوى وترعرع في ظل أنظمة علمانية قبل وبعد الاستقلال، بل كان علمانيا حتى في ظل حكم دولة الخلافة الإسلامية العثمانية. تجربة المصير الذي صنعته أمريكا في العراق تتكرر الآن في سوريا وبعلم ورضا الولايات المتحدة الأمريكية، فأي علمانية تلك التي تريدها أمريكا لسوريا؟






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//