العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٦ - الأحد ١٩ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل أفرزت سياسات أوباما وحشًا اسمه ترامب؟

بقلم: روس دوثات

الأحد ٠٦ مارس ٢٠١٦ - 03:00



انقسم الليبراليون في رؤيتهم لظاهرة مرشح الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلتها التمهيدية. فقد عبَّر شق من الليبراليين عن سعادتهم البالغة بما يفعله دونالد ترامب، الذي قد يقضي على ما تبقى من الحزب الجمهوري. أما الجزء الآخر من الليبراليين فهم لا يخفون مخاوفهم من دونالد ترامب الذي قد يدخل البيت الأبيض وهو يحمل معولا لإحداث مزيد من الدمار لتكون الأمور والأوضاع بذلك أكثر سوءا وخطورة مما عليه الآن.
لقد كُتب كثير وقِيل كثير عن ظاهرة انتخابية اسمهما دونالد ترامب، الذي يهيمن على الحملة التمهيدية للحزب الجمهوري ومن المنتظر أن يفوز بترشيح الحزب الجمهوري كي ينافس على الأرجح مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري التي يبدو أنها ستكون في طريق مفتوحة للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية لسنة 2016.
لقد فشل بعضهم أو ربما تجنبوا القول إن السياسات الليبرالية التي ظل ينتهجها الرئيس باراك أوباما منذ توليه مقاليد الحكم ودخوله البيت الأبيض هي التي تسببت في خلق ظاهرة اسمها دونالد ترامب. إن القول إن تركة الرئيس أوباما وسياساته الليبرالية هي التي خلقت ظاهرة دونالد ترامب لا يعني أن الحزب الجمهوري لا يتحمل بدوره المسؤولية.
فصعود دونالد ترمب بمثل هذا الشكل اللافت إنما يعتبر أولا وقبل كل شيء مشكلة للحزب الجمهوري وللساسة المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية. لم يكن دونالد ترامب ليظهر اليوم بمثل هذه الصورة اللافتة لو لم تعرف رئاسة جورج بوش تلك النهاية التي نعرفها جميعا ولو أن الحزب الجمهوري نفسه لم يتجاهل مشاكل ومخاوف وهواجس أبناء الطبقة الكادحة في الولايات المتحدة الأمريكية.


لو يكن دونالد ترمب ليتصدر اليوم سباق الانتخابات التمهيدية بفارق عريض وبهامش كبير في الانتصارات التي حققها لو أن قيادة الحزب الجمهوري وبقية خصومه المرشحة قد قرروا التصدي له قبل الآن. أما اليوم فإنّ زمام المبادرة قد خرج من أيديهم.
دونالد ترامب هو أيضا الصنيعة التي ولدت من رحم الأعوام الأخيرة من رئاسة باراك أوباما؛ فقد جاء بعد مرور ثماني سنوات على صعود أوباما –الرئيس الليبرالي ذو الشخصية القوية– الذي سيطر في أعوامه الأولى على مشهد الثقافة وأصبح يحدد بقوة تأثيره أجندة النقاشات الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الرئيس أوباما لم يورثنا دونالد ترامب بأي طريقة ميكافيلية أو متعمدة لكن ليس مستغربا أن ينتهي عهد أوباما كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية بهذه الطريقة المحيرة والمزعجة، لقد ترك لنا شخصية مستوحاة من تلفزيون الواقع، تمارس الديماغوجيا والشعبوية بكل ما فيها من تعصب وضيف في الأفق.
يحاكي دونالد ترمب تلفزيون الواقع في حملته الانتخابية لسنة 2016 وهو يكاد يكون اليوم المرآة التي تعكس حملة المشاهير التي أوصلت الرئيس أوباما إلى سدة الحكم والبيت الأبيض سنة 2008، هذا ليس بأمر مستغرب، فقد كانت الشهرة والمشاهير تشكل دائما على مر العقود الماضية جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أن هذه النزعة للجمع ما بين السياسية وصناعة المشاهير قد زادت وقويت مع مرور السنين، بل إن الرئيس باراك أوباما هو الذي كان أول من رفع مستوى الرهان ووظف الشهرة والمشاهير إلى أقصى حد من خلال الصور التي يطلقها والخطابات المنمقة والمفرطة في البلاغة التي يعتمدها. فقد سعى الرئيس أوباما إلى الحصول على تأييد ذائعة الصيت أوبرا وينفري التي تتمتع بشعبية جارفة مثلما حصل على دعم وتأييد كثير من مشاهير ونجوم هوليود، قلعة الصناعة السينمائية الأمريكية والعالمية. لقد كانت حملة أوباما للفوز بمقعد الرئاسة والوصول إلى البيت الأبيض أشبه ما تكون برحلة المشاهير من أجل الفوز بجائزة الأوسكار. فالسياسة تُدار في كثير من الأحيان كما تُدار السينما أو تلفزيون الواقع.
لا شك أن الرئيس أوباما قد نجح في ذلك الأسلوب التسويقي بالاعتماد على الخطابة والمشاهير في استهداف النخبة والأرستقراطية. لقد أثبت أوباما أيضا أنه يمكن للمترشح في الولايات الأمريكية أن يدير حملته الانتخابية من خلال استثمار مسألة عبادة الشخصية، وأن يغنم من ذلك كثيرا من الأصوات.
لقد بدأ دونالد ترامب يكرس مسألة «عبادة الشخصية» إذ إنَّ كثيرا من الأمريكيين يصوتون له ويمنحونه الانتصارات المتتالية على حساب خصومه لا لقوة في خطابه السياسي أو لصلابة أو تماسك في برنامج الانتخابي أو لتناسق الرؤية التي يحملها عن العالم والسياسة الخارجية بل لشخصيته المشاكسة والاستفزازية. عرف دونالد ترامب أيضا كيف يستثمر مشاعر الغضب الاجتماعي والاقتصادي وخيبة الأمل الكبيرة لدى قطاعات من الناخبين الأمريكيين إضافة إلى الشعور بالخوف من كل شيء تقريبا.
لقد أظهر دونالد ترامب حتى الآن أن كثيرا من الناخبين الأمريكيين أصبحوا معتادين إلى حد كبير على فكرة «الرئاسة الامبريالية القوية»، وهو انطباع قد يكون عززه الرئيس الحالي باراك أوباما الذي يتهمه خصومه باعتماد سياسة متذبذبة والتسبب في إضعاف الولايات المتحدة الأمريكية وتقويض علاقاتها مع حلفائها التقليديين.
يذكر أن الرئيس أوباما قاد حملته الانتخابية التي قادته إلى البيض الأبيض الأمريكي وقد ظل آنذاك ينتقد سياسة سلفه جورج بوش ونزعته للتسلك في سياساته وممارسة سلطات واسعة على كل الأصعدة تقريبا مثل شن الحروب من دون موافقة الكونجرس الأمريكي وادعاء السلطة لقتل المواطنين الأمريكيين واللجوء إلى كل الحيل الممكنة في ممارسة السياسة الداخلية من دون الاكتراث بالحصول على تأييد الكونجرس الأمريكي.
يجب أن ندرك أن أقوى مؤيدي دونالد ترامب ليسوا المحافظين الجديد الذين كانوا حاضرين بقوة في إدارة الرئيس السابق جورج بوش.. إن أكبر مؤيدي المرشح دونالد ترامب هم الناخبون البيض من الطبقة العاملة، وخاصة أنهم كانوا تقليديا يميلون إلى الحزب الديمقراطي ويفضلون فكرة الدولة الريعية القوية.
لقد ظل هؤلاء الناخبون يتسربون تدريجيا من الحزب الديمقراطي منذ فترة السبعينيات من القرن الماضي، غير أن الرئيس أوباما هو الذي تسبب بسياساته الراهنة في إغلاق الباب في وجههم ودفعهم إلى أحضان دونالد ترامب.. نذكر على سبيل المثل سياساته المتعلقة بالطاقة والهجرة وتقييد استخدام الأسلحة.
دونالد ترامب هو أيضا وحش من صنيعة الحزب الجمهوري نفسه. هذا صحيح لكن دونالد ترامب يمثل أيضا إفرازات من افرازات إرث الرئيس باراك أوباما، كما أنه يمثل العدو اللدود للنخب الليبرالية والأطراف الفاسدة في المحافظين. سيظل دونالد ترامب –إذا ما أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية– يمثل تهديدا للتقاليد الحزبية سنوات عديدة قادمة.
نيويورك تايمز




كلمات دالة

aak_news