العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

طريق المساواة لا يزال شاقا



ليس هناك أدنى شك في أن المرأة البحرينية، وخاصة بعد تدشين المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في بداية الألفية الجديدة، اكتسبت المزيد من الحقوق التي طالما كانت بالنسبة إليها حلما من الأحلام، ومنها فتح الأبواب أمامها واسعة للولوج في مشاركة الرجل الحياة العامة، مثل المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية، ترشيحا وانتخابا، استنادا إلى نصوص دستورية وقانونية غير قابلة للتأويل أو الاجتهاد، إضافة إلى ذلك فإنّ هذه النقلة النوعية في حياة المرأة فتحت أمامها الأبواب لإثبات قدراتها وكفاءتها في تبوء المراكز القيادية في أكثر من حقل بحيث أصبحت المرأة البحرينية الآن تحتل كثيرا من المراكز القيادية ليس في المؤسسات الحكومية فقط، وإنما في مؤسسات القطاع الخاص، وهي الشهادة الأكثر مصداقية في الاعتراف بقدرات المرأة وكفاءتها.
المرأة البحرينية في مؤسسات القطاع العام تحتل مراكز متقدمة، مثل منصب الوزير والوكيل ورؤساء الأقسام والإدارات، إلى غير ذلك من المناصب، لكن ذلك كله يتم وفقا لتعيينات من الأعلى، وهي خطوات إيجابية بالتأكيد، إذ من شأن ذلك أن يلقي على عاتق المرأة مسؤولية إثبات قدراتها القيادية، وليس لدينا أدنى شكوك في كفاءة وقدرات النساء البحرينيات ممن يتبوأن المراكز القيادية في العديد من مؤسسات القطاع العام، لكن المؤشر الأكثر قوة على كفاءة المرأة البحرينية يكمن في تربعها على المراكز القيادية في مؤسسات القطاع الخاص التي تضع الكفاءة معيارا أساسيا في إسناد أي منصب لديها لهذا العامل أو ذاك.
مع الاعتراف بكل هذه الحقائق وبالمكاسب الكبيرة التي حصلت عليها المرأة البحرينية وقدرتها على اختراق الحاجز الذكوري في أكثر من موقع، فإنها لا تزال تعاني تمييزا مجمعيا لا يرحم، نظرة المجتمع إلى المرأة وإن تغيرت نوعيا في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا التغير لم يرق بعد إلى درجة إقرار الأغلبية بمبدأ المساواة الحقيقي بين الجنسين في كثير من مجالات الحياة، إذ لا تزال هناك نسبة لا يستهان بها ترى أن المرأة تبقى بحاجة إلى الرعاية الأبوية الذكورية، ليس من منطلق احترام المرأة وتقديرها، وإنما من منطلق الإقرار الضمني بضعفها وعدم مقدرتها على تسيير ذاتها وشؤونها الخاصة في جميع المجالات.
ليس المجتمع وحده هو الذي يظلم المرأة، فهناك أيضا القوانين التي حتى هذه اللحظة، ورغم النص الدستوري الصريح على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون استثناء، لم تنصف المرأة، كما هو حال قانون الجنسية الذي لا يعطي أبناء الأم البحرينية المتزوجة من أجنبي حق الحصول على الجنسية البحرينية، فيما يعطي القانون أبناء البحريني المتزوج من أجنبية حق الحصول على الجنسية البحرينية، وهنا نحن أمام تمييز صريح في الحقوق بين الذكر والأنثى من المواطنين.
هذه القضية هي الآن أمام نقاش مجتمعي ومؤسساتي واسع، حيث تشير كل المؤشرات إلى أن هناك توجها جادا لتعديل هذا الخلل بالصورة التي يرفع معها هذا التمييز عن كاهل المرأة البحرينية، وخاصة أن المتضرر الأكبر من هذا التمييز ليس المرأة (الأم) وإنما أبناؤها، وهذا المثل على التمييز الذي تعيشه المرأة البحرينية حاليا يمكن تصحيحه من خلال تعديل القانون، وهي مسألة ليست في غاية الصعوبة وإنما بحاجة إلى قرار وتوجه حقيقي من مختلف المؤسسات التشريعية والتنفيذية في الدولة.
أي اعوجاج قانوني فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين، وأي هضم قانوني لحقوق المرأة البحرينية يمكن تصحيحه بالسرعة المنظورة أيضا، فقانون الانتخاب الذي حرم المرأة البحرينية من المشاركة في انتخابات المجلس الوطني في سبعينيات القرن الماضي، نفسه دستور المملكة الصادر في 14 فبراير من عام 2002، الذي نص صراحة على حق المرأة البحرينية في الترشح والانتخاب للمجلس النيابي والمجالس البلدية، وبالتالي فإنّ المهمة الأصعب للتصدي لأي شكل من أشكال التمييز الذي تواجهه المرأة البحرينية يكمن في كيفية مواجهة التمييز المجتمعي وتغيير النظرة الدونية التقليدية المترسخة التي لعبت القوى المحافظة دورا كبيرا في تكريسها.
تغيير النظرة المجتمعية التي لا تزال تنظر إلى المرأة من زاوية عدم الأهلية في المساواة الكاملة مع الرجل، يجب أن تأخذ حيزا كبيرا من البرامج والأنشطة الموجهة نحو تذويب المزيد من الفوارق بين الجنسين، فهذه مهمة شاقة وثقيلة تتطلب صبرا وجهدا متواصلا بدءا بتغيير الأنظمة والقوانين التي لا تزال تثبت عدم المساواة، حتى لو تتطلب الأمر الوصول إلى حد تجريم أي شكل من أشكال التمييز بين الجنسين، لأنّ التمييز يحط من كرامة الإنسان بغض النظر عن جنسه.
هذه المهمة، التي في اعتقادي أن مسؤولية تحملها تقع على عاتق مختلف مؤسسات المجتمع، الأهلية منها والعامة، ستواجه صدا ومعوقات كثيرة، وخاصة أن شرائح في المجتمع لا تزال تؤمن «بعدالة» اللامساواة بين الجنسين، وبأن المرأة مهما اعتلت من مناصب وتبوأت المراكز القيادية، سواء في مؤسسات القطاع الخاص أم العام، فإنه «لا يجوز» مساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات، فعندما ترقى هذه النظرة إلى درجة الإيمان بهذا الخلل على أنه حقيقة غير قابلة للتغيير، فإنّ مهمة تغييره في هذه الحالة تبقى في غاية الصعوبة، لكنها بكل تأكيد ليست مستحيلة، بل تحتاج وقتا طويلا وجهدا كبيرا.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//