العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ضوء خافت وسط الدمار



من السابق لأوانه، إن لم يكن ضربا من ضروب الخيال وتوغلا عميقا في المثالية، القول بما إذا كانت الأزمة السورية قد خطت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح بالإعلان عن وقف «العمليات العدائية»، مع استثناء مواصلة الحرب ضد تنظيمي ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وفرع القاعدة في سوريا المعروف باسم «جبهة النصرة»، فالأزمة السورية بعد خمس سنوات من سفك الدماء المتواصل والتشريد الجماعي للمواطنين السوريين من مدنهم وقراهم، تحولت إلى مرتعا لقوى إقليمية ودولية بحيث بات اللاعبون المحليون مجرد بيادق تحركها هذه القوى، وبالتالي فإنّ الشعاع الوحيد الذي يمكن القول إنه يمثل بداية النهاية لهذه الفاجعة الإنسانية يتوقف على مدى قبول اللاعبين الدوليين ورضاهم عن أنصبتهم من نتائج الصراع السوري الخطير.
ليس سرا القول إن هؤلاء اللاعبين، الإقليميين والدوليين مسؤولون بالدرجة الأولى عما آلت إليه المطالب المشروعة للشعب السوري التي انطلقت قبل أكثر من خمس سنوات، وكانت تعد من المطالب الإنسانية التي لا يمكن لعاقل أن يتجاوزها أو يستخسرها على الشعب السوري، فأولئك الذين استغلوا هذه المطالب والتحركات الشعبية السورية من أجل أجندات وأهداف خاصة وتصفية حسابات سياسية، جاءت كلها على حساب المصالح المشروعة للشعب السوري وحولت تحركاتها الوطنية الراقية إلى صراع دموي اختفت تحت أنقاضه هذه المطالب وتلك الأهداف.
من السهل القول إنه بعد خمس سنوات من الاقتتال الدموي والنزيف البشري والاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي يتحمله الشعب السوري دون سواه، قد حان الوقت لتنفيذ وتحقيق تلك المطالب المشروعة، لكن المسألة ليست بهذه السهولة التي يعتقد بها البعض، فمصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين أصبحت هي الأهم وهي التي تحدد وتتحكم في مسار الصراع السوري السوري، فالقوى الإقليمية والدولية لا تعنيها مصالح الشعب السوري بأي حال من الأحوال، هذه المصالح ليست سوى عناوين تتستر خلفها الأهداف الأخرى والخاصة بتلك القوى.
مع كل ذلك ومع هذه الصعوبات التي لا يمكن أن يتغافل أحد تأثيرها على مسار الصراع فوق الأرض السورية وإمكانية بزوغ أمل مغادرة هذه الدائرة الدموية، ناهيك عن تواجد قوى إرهابية متطرفة تحتل حيزا كبيرا في ساحة الصراع السوري، كلها عوامل متداخلة ومشتركة في آن واحد تلعب دورا في تحقيق هذه الأمنية، لكن يبقى الأمل قائما إذا ما شعرت الأطراف المؤثرة بحاجتها إلى مثل هذا المخرج وخاصة عندما تقتنع بأن مصالحها مؤمنة بعد كل خطوة في اتجاه إنهاء الصراع في سوريا.
المواطنون السوريون الذين يدفعون ثمن هذا الصراع الدموي الأحمق هم المعنيون بالدرجة الأولى بأي خطوة في اتجاه وضع حد لسفك الدماء وتدمير وطنهم ومجتمعهم، وهم كانوا الأقدر، في بداية الأزمة على عدم الانجرار وراء الأوهام التي وزعتها قوى إقليمية ودولية عليهم، أما الآن فقد خرجت مفاتيح اللعبة من أيديهم، فلم يعودوا قادرين على تجاوز حسابات القوى الإقليمية والدولية، لكن رغم هذا الدور الضعيف للسوريين فيما يتعلق بوضع حد للأزمة في بلادهم إلا أن الأمل في الصحوة والاستيقاظ من تأثير الوعود الوهمية، لا يزال قائما، شرط أن تتصدر مصالح الوطن اهتماماتهم فتكون هذه المصالح هي الدافع وراء تحركهم في الاتجاه الصحيح وليس وراء السراب.
الشعب السوري وبعد هذه الدمار وسفك الدماء والتهجير، لا بد أن يجني ثمارا تعيد إليه كرامته وعزته، ومن المؤكد أن تغييرا جوهريا سيحدث في شكل النظام السياسي الذي سيحكم سوريا، إذ أن هذه الأحداث الكبيرة لا بد أن تكون قادرة على وضع حد لطبيعة النظام الشمولي، لكن الخوف من أن يأتي نظام شمولي أكثر تخلفا من النظام الحالي وأكثر تسلطا على رقاب السوريين، وخاصة إذا ما تمكنت القوى الرجعية من الإمساك بزمام القيادة السياسية وحولت البلاد إلى تابع لقوى إقليمية أو دولية تصادر المصالح المشروعة للشعب السوري وفي مقدمتها حقه في تقرير طبيعة نظامه السياسي من دون فرض أو وصاية من أي جهة.
ففي ظروف قاسية كالتي يعيشها الشعب السوري حاليا، فإنّ الهم الأكبر الذي يسيطر على المواطنين البسطاء، وهم الغالبية الساحقة التي تحملت أعباء وويلات الاقتتال، يتمثل في وضع حد لسفك الدماء والتخلص من الجماعات الإرهابية التي عاثت فوق الأرض السورية قتلا وتدميرا على مدى أكثر من خمس سنوات، تحقيق ذلك يعني الكثير بالنسبة للشعب السوري، الذي سيكون قادرا بكل تأكيد على تحديد خياراته السياسية وسيكون مؤهلا أيضا في إعادة الحياة إلى وطنه، وهي مهمة في غاية الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة، وخاصة إذا تمكن الشعب السوري من فرز خياراته وتحديد نوعية الأصدقاء الذين يمكن الوثوق بهم مستقبلا، فالوطن السوري، شعبا وأرضا بحاجة إلى إعادة بناء، وبالتالي بحاجة إلى مثل هؤلاء الأصدقاء.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//