العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٧ - الاثنين ٢٠ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤١هـ

شرق و غرب

السياسة الواقعية وحسابات الغرب في إيران

بقلم: ألكسندر دلفيدال

الثلاثاء ٠١ مارس ٢٠١٦ - 03:00



هل تخرج إيران من محور الشر وتنجح في الحفاظ على الدولة الدينية التي أسسها الخميني – أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
عقب رفع العقوبات بمقتضى الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة 5+1 ونظام طهران يوم14 يوليو 2015 في فيينا أدى الرئيس الإيراني حسن روحاني أول زيارة رسمية يقوم بها زعيم إيراني إلى أوروبا منذ سنة1999. فقد حل يوم 27 يناير 2016 في زيارة رسمية لفرنسا. فهل تعني هذه الزيارة أن إيران ربما أصبحت دولة يسهل للغرب التعامل معها؟
في الحقيقة، هذا الكلام صحيح في جزء منه فقط. فإيران لا تزال الدولة الثيوقراطية التي تمووك وتحرك التنظيمات الإرهابية مثل مليشيات حزب الله اللبناني، كما أن الدكتاتورية الدينية هي التي لا تزال تحكم البلاد وتشكل مؤسساتها على صورتها كما أنها هي التي لا تزال تعدم الناس بالعشرات والمئات سنويا وهي التي لا تزال تضطهد أبناء الأقليات الدينية والعرقية وتنكل برموز المعارضة الديمقراطية. لذلك فإنّ إيران لا تزال أبعد ما يكون عن صورة الدولة التي تفرض الاحترام على الساحة الدولية.
يجب أن ندرك أن السياسة الواقعية تقتضي التعامل مع الدول المحترمة وتلك الفاقدة لكل احترام وتقدير باسم المصالح العليا للدول. هذه السياسات الواقعية هي تفسر العلاقات القوية بين فرنسا والمملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد أدرك الغرب أنه في حاجة إلى إيران رغم أنه لم يحدث أي تغيير يذكر في ظل الرئيس حسن روحاني. فالمرشد الأعلى علي خامنئي هو الذي يمسك في الحقيقة بمفاصل السلطة والدولة في إيران باسم نظرية ولاية الفقيه. في بعض الأحيان يبدو الرئيس حسن روحاني وكأنه بمثابة المتحدث الرسمي باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
هناك في إيران عديد المؤسسات التي تؤثر كثيرا على القرارات السياسية مثل البرلمان ومجلس تشخيص مصلحة النظام. باختصار هناك قوى وأطراف سياسية كثيرة أكثر أهمية وثقلا من الرئيس نفسه. لذلك قد يبدو الرئيس روحاني معتدلا بعض الشيء وقد يلقى الترحاب في الغرب أيضا، لكن هذا لا يعني أن النظام الحاكم في طهران قد تغير بل إنه يظل نظاما ثيوقراطيا وشموليا لا يترك هامشا كبيرا للحريات الشخصية.
لم يبذل هذا الرئيس وهذا النظام جهودا كبيرة لإحداث بعض التغيير غير أن الغرب يعتبر اليوم أنه بات في حاجة إليهما. فإيران تمثل سوقا اقتصادية وتجارية واستثمارية كبيرة مع وجود قاعدة استهلاكية عريضة ومتعلمة وتملك المال أيضا.
ثانيا تعتبر الولايات المتحدة والغرب أن المحور الشيعي الذي تقوده إيران قد يكون مفيدا في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام – داعش – وذلك وفق المنطق الذي يقول «عدو عدوي هو صديقي».
ثالثا، يجب أن نذكر أن الرئيس أوباما قد أعلن سنة 2009 أنه يضع مسألة المصالحة مع العالم العربي على قمة أولوياته الدبلوماسية منذ سنة 2009، كما عبر عن رغبته في إيجاد نقاط ارتكاز جديدة في منطقة الخليج والتي اهتزت منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 على وجه الخصوص.
راح الرئيس أوباما أيضا يعمل على إعادة بناء التحالفات والعلاقات الدبلوماسية مع عديد المناطق في العالم وهو ما أزعج الدول العربية وخاصة منها الدولة الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية. هنا بدأت تظهر إرهاصات مسار التقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وقد أعطت واشنطن الانطباع بأن هذا المسار إنما يتم على حساب الدول العربية – وخاصة منها الخليجية.
من وجهة نظر أخرى يمكن أن نعتبر أيضا أن التقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يمثل انتصارا كبيرا للمحور المعادي للحلف الأطلنطي بقيادة واشنطن – أي المحور المكون من روسيا والصين- والذي تمكن من قلب الطاولة على عديد القضايا مثل سوريا وغيرها.
في الأثناء، يبدو أن الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تقود دبلوماسيتها وفق المنطق التالي- «كلما ازداد حضورنا في إيران كلما تقلص حضور الصين وروسيا في الجمهورية الإسلامية كلما ازداد الحضور الغربي وازدادت إيران انفتاحا وضعفت قبضة المتشددين على مفاصل الدولة والمجتمع.
هناك إذن ثلاثة أبعاد – البعد الاقتصادي ومسألة مكافحة آفة الإرهاب والهيمنة الاستراتيجية التي تتمتع بها إيران التي اقتربت بدورها مع الصين وروسيا في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، والتي تعتبر ردا على منظمة الأمن والتعاون الأوروبية. لدى زيارته الأخيرة لطهران وقع الرئيس الصيني على اتفاق يكرس العلاقات الاستراتيجية بين بكين وطهران.
هذه الأسباب والغايات المختلفة هي التي تفسر إلى حد كبير رغبة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في التقارب مع إيران. وقد رأينا كيف أن الشركات والشخصيات الغربية – وخاصة منها الأوروبية قد راحت تتسابق لزيارة طهران واقتناص الفرص الاستثمارية. إن الأمر لا يتعلق بما إذا كانت إيران قد أصبحت دولة يمكن للغرب التعامل معها. إنما يتعلق الأمر بمقتضيات السياسة الواقعية والتي تنطوي على كثير من النفاق والانتهازية.
لنا أن نتساءل عما إذا كانت إيران قد أصبحت دولة يتخاطب معها الغرب بعد سنوات من التوترات والعمليات الإرهابية الإيرانية في الدول الغربية واستهداف للمصالح الغربية والتهديدات النووية والعقوبات الاقتصادية. ثم كيف لإيران أن تلعب دور الدولة التي يتخاطب معها الغرب من دون أن تفقد مثلها الثورية التي تعتبر سبب وجودها كدولة ثيوقراطية يحكمها رجال الدين الملالي؟
هذا يعكس انتهازية السياسات والغربية وهو ما تتطلبه كما قلنا السياسات الواقعية. فالغرب يعتقد أنه إذا ما تصالح مع إيران وبدأ في رفض العقوبات تدريجيا وفق ما ينص عليه اتفاق 14 يوليو 2015 في العاصمة النمساوية فيينا فإنّ نظام طهران سيلين ويتعاون كما أن الغرب سيستفيد من الصفقات والمبادلات التجارية فيما يستفيد الاقتصاد الإيراني من انفتاحه مجددا على العالم.
هذه مرتكزات وفرضيات وتخمينات التفكير الرأسمالي الغربي. كلما ازدادت المبادلات التجارية وتوطدت العلاقات الاقتصادية كلما تغلغلت الديمقراطية والقيم الليبرالية في الدولة ونظام الحكم والمجتمع الإيراني الذي سيذوب من الداخل لأنّ المبادلات التجارية ستكون شريان الحياة للمؤسسات الخاصة.
يعتبر الغرب أيضا وفق هذه الذهنية الرأسمالية أنه كلما كثر عدد المؤسسات الخاصة كلما تطور المجتمع المدني وأنه كلما تقلصت هذه المبادلات التجارية والاقتصادية كلما ضعفت قدرة الغرب على التأثير على الدولة الدينية الإيرانية. هذا هو المنطق الجديد الذي ينطلق منه الغرب بقيادة الولايات المتحدة الإمريكية. فالعلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية يمكن أن تحمل معها القيم الغربية الليبرالية وهو ما ظل يحذر منه مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي.
كلما زادت المؤسسات والشركات الخاصة كلما تطور المجتمع المدني وشكل قوة فاعلة ضد النظام الحاكم في طهران. هذا هو منطق السياسة الواقعية في الغرب. فإذا لم تكن هناك مبادلات تجارية واقتصادية ومالية كبيرة مع إيران فإنّ الغرب لن يكون له دور مؤثر في إيران. فالدولة قد تصبح منغلقة على نفسها بالكامل بسبب العقوبات.
عندما تنخرط دولة معينة في دائرة تجارية ورأسمالية فإنها تصبح بالضرورة معتمدة على الخارج. فالمجتمع المدني القوي يلعب دورا مؤثرا في تحقيق التوازن مع القوى الاقتصادية والسياسية.
هذه حسابات الغرب: تطوير المبادلات التجارية مع إيران لأنّ ذلك سيجعل إيران المنغلقة على نفسها تسير على طريق الديمقراطية. صحيح أن هذه الرؤية غير مضمونة لكن الغرب يدافع عنها.
آتلانتكو






كلمات دالة

aak_news