العدد : ١٥٤٧٩ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٩ - الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤١هـ

شرق و غرب

إيران.. الدولة أم الثورة؟

بقلم: دويل ماكمانوس

الثلاثاء ٠١ مارس ٢٠١٦ - 03:00



لعل الولايات المتحدة الأمريكية لم تتفاجأ بما بدر عن إيران خلال الأسبوعين الماضيين غير أن موقف إيران ينطوي على تناقض كبير.
على سبيل المثال، سارعت إيران إلى الايفاء بالتزاماتها بمقتضى الاتفاق النووي كما قامت بتفكيك المعدات التي كان يمكن أن تستخدم في إنتاج القنبلة النووية.
في نفس الوقت، يشدد المسؤولون في طهران على أنهم مصرون على مواصلة القيام بالتجارب الصاروخية الباليستية في انتهاك كبير للقرار الصادر عن منظمة الأمم المتحدة.
كذلك، سارعت سلطات طهران إلى إطلاق سراح البحارة الأمريكيين العشرة الذين انحرفت بهم سفينتهم داخل المياه الإقليمية الإيرانية وقد قالوا إنهم «عوملوا بكل ضيافة». في نفس الوقت بث الحرس الثوري الإيراني تسجيل فيديو يظهر فيه البحارة وهم يجثون على ركبهم فيما كان جنرال إيراني يقول بكل صلف وغرور: «لقد اعترف الأمريكيون بقوتنا وسطوتنا».
تفاوضت أجهزة المخابرات الإيرانية بكل هدوء من أجل تبادل خمسة سجناء أمريكيين مع سبعة إيرانيين غير أن سلطات طهران تعنتت بعد ذلك بشأن السماح لزوجة ووالدة أحد هؤلاء المعتقلين المفرج عنهم بمغادرة البلاد. زعم أحد الإيرانيين المتشددين أن واشنطن قد منحت مبلغا إضافيا قدره مليار وسبعمائة مليون دولار كفدية للمساجين المفرج عنهم – الأمر الذي نفته سلطات البيت الأبيض الأمريكي.
يقول عباس ميلاني، الباحث في مؤسسة هوفر التابعة لجامعة ستانفورد: «إن إيران دولة معقدة. فمن ناحية أولى يستخدم الإيرانيون استراتيجية «الشرطي الجيد والشرطي السيئ» القديمة. أما على المستوى الأكثر عمقا فإنّ هناك صراع يجري الآن حول مستقبل البلاد ولن نعرف النتيجة التي سيؤول إليها هذا الصراع».
تتمثل الاشكالية التي تواجهها إيران اليوم في أن نظام طهران لم يتبن الخيار الذي تحدث عنه هنري كيسنجر قبل عدة سنوات من الآن – إما أن تكون إيران دولة أو قضية – أي دولة طبيعية أو دولة ثورية».
عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية العملية فإنّ إيران تتصرف كدولة طبيعية إلى حد ما حيث إنَّها تلتزم بالاتفاقيات وتفرج عن البحارة المحتجزين وتبدي حرصا على إنهاء الخلافات القديمة. لكن ما يثير استغرابنا أن الإيرانيين يعتبرون أن الخطوات الرمزية أكثر صعوبة».
لقد وافق المرشد الأعلى علي خامنئي على مضض على الاتفاقيات المبرمة مع الولايات المتحدة الأمريكية واعتبر أن ذلك يمثل الثمن من أجل تحرير البلاد من العقوبات الاقتصادية. ذكر المسؤولون الأمريكيون أن علي خامنئي قد وافق شخصيا على إطلاق سراح البحارة والافراج عن السجناء والتوقيع على الاتفاق النووي.
لقد اتسع انفتاح إيران على الغرب ليتجاوز الاتفاق النووي. يقول المسؤولون الأمريكيون إن إيران تدعم الجهود الدولية الرامية إلى الترتيب لمحادثات وقف إطلاق النار في الحرب الأهلية الجارية في اليمن. يقول المسؤولون الأمريكيون أيضا إن إيران تبنت الجهود الأمريكية الرامية إلى إجراء محادثات السلام في الحرب الأهلية السورية.
يقول جون ليمبرت، الدبلوماسي السابق الذي كان ضمن الرهائن الأمريكيين في طهران: «هناك الآن تحول كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، على الأقل على صعيد التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية. قبل ثلاث سنوات من الآن، لم يكن أي أحد يتصور أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية ستجريان محادثات مباشرة مع بعضهما وتتطرقان إلى عديد القضايا.
لكن من ناحية أخرى رفضت إيران إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية علما أن الرئيس جورج بوش الابن قد تقدم بعرض في هذا الاتجاه قبل الرئيس الحالي باراك أوباما، بل إن الإيرانيين قد رفضوا اقتراح بإطلاق خط أحمر بين قوات البلدين العسكرية رغم أن مثل هذا الأحمر من شأنه أن يجنب البلدين مواجهات غير ضرورية.
إن هذه المقاومة التي تبديها سلطات طهران فيما يتعلق بالتطبيع الرسمي تنبع في جزء منها من الرغبة في الحفاظ على الصورة الثورية للدولة الإيرانية. يقول عباس ميلاني: «إن الأجندة السياسية التي يتبناها علي خامنئي تقوم على أساس معاداة الولايات المتحدة الأمريكية. لم يدرك علي خامنئي أن فكرة معاداة الولايات المتحدة الأمريكية قد انهارت».
رغم أن علي خامنئي قد سمح فعليا بالتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية فقد أطلق سيلا من التصريحات التي ظل ينتقد فيها «الشيطان الأكبر» ويحذر من الانحرافات الغربية. يقول كريم سادجابور من مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي إن السياسة التي تنتهجها إيران في الوقت الحالي يمكن أن تسمى «احتواء العداء».
إن هذه الازدواجية الواضحة في السياسة الخارجية تعكس الصراع السياسي بين المتشددين من ناحية والرئيس المحسوب على الإصلاحيين والمعتدلين حسن روحاني. أما علي خامنئي فإنه يميل في أغلب الأحيان إن لم يكن كلها إلى دعم معسكر الملالي المتشددين.
يعتبر المحللون أن الاتفاق النووي يمثل انتصارا للرئيس روحاني غير انه زاد من حدة الصراع بين المتشددين والمعتدلين. كان الرئيس روحاني يأمل أن يعطي الاتفاق النووي دفعة قوية لائتلاف الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية القادمة المزمع إجراؤها يوم 28 فبراير القادم.
في الآونة الأخيرة قام مجلس صيانة الدستور بابتعاد آلاف المرشحين الإصلاحيين من سباق الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي زاد من حدة الجدل بين روحاني الذي احتج على القرار وعلي خامنئي.
إن السياسة الخارجية تكون في أغلب الأحيان امتدادا للسياسات الداخلية. لعل هذا ما جعل المسؤولين الأمريكيين والمراقبين للشأن الإيراني يتوقعون صراعات عديدة قادمة – ليس فقط لأنّ إيران تختلف مع الغرب بشأن عديد القضايا المحورية العالقة بل لأنّ المتشددين هم الذين يمسكون بمفاصل الدولة والمجتمع في إيران.
سيكون من الأفضل لو يتوقف المتشددون عن ترديد شعار «الموت لأمريكا» غير أن هذا لن يحدث في وقت قريب.
هناك سابقة تاريخية في السياسة الخارجية حول كيفية التعامل سلميا مع قوة معادية وتمثل تهديدا كبيرا. فقد نجح الرؤساء الأمريكيون في ترويض المارد الصيني وإنهاء الخلافات التي استمرت نصف قرن كما أنهم أنهوا الصراع الذي استمر نصف قرن – أعني الحرب الباردة – التي انتهت بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي.

لورس أنجلوس تايمز






كلمات دالة

aak_news