العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

فلسطين تدفع ثمن التردي العربي



تحولت عمليات سفك دماء المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى سلوك يومي شبه عادي يمارسه جنود الاحتلال الصهيوني والمستوطنين الصهاينة في أراضي الضفة الغربية المحتلة، يحدث ذلك لأنّ العالم والدول العربية في مقدمة ذلك، لم يعودوا يسلطون ولو جزءا بسيطا جدا من اهتماماتهم لآلام الشعب الفلسطيني والأوضاع المزرية التي يعيشها في ظل سلطات الاحتلال التي تغولت كثيرا في ممارساتها القمعية وتمسكها بمصادرة الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني، فالمنطقة العربية تعيش واحدة من أسوأ حقبها التاريخية، حيث تشهد العديد من دولها صراعات داخلية ممزوجة بتدخلات إقليمية ودولية انعكس كلها سلبا على الموقف العربي «الموحد» من القضية الفلسطينية، ناهيك عن الخلافات داخل البيت الفلسطيني التي أثقلت كاهل الصمود الفلسطيني في وجه مشاريع الاحتلال التصفوية.
الأراضي الفلسطينية المحتلة تعيش الآن ظروفا صعبة لا تختلف تماما عن الظروف التي عاشتها إبان انتفاضة الحجارة عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000 حيث الممارسات الهمجية الصهيونية التي تعاملت بها سلطات الاحتلال مع المنتفضين الفلسطينيين هي نفسها، إن لم تكن أقسى، التي تمارسها الآن مع الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة المستمرة منذ عدة أشهر والتي تنبئ باندلاع انتفاضة عارمة جديدة حيث لم يعد الشعب الفلسطيني في وضع يسمح له بتحمل عبء الممارسات الهمجية والصمت الدولي المطبق الذي يشجع سلطات الاحتلال على التمادي في هذه الممارسات.
ما يميز ممارسات سلطات الاحتلال الصهيوني ضد المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة خلال تصديها الحالي لبوادر الانتفاضة الجديدة، أنها (سلطات الاحتلال) صعدت من جرائم القتل بانتهاج سياسة التصفية الجسدية المباشرة في الشوارع والطرقات، وهي الممارسات التي وصفتها المنظمات الحقوقية الدولية والعديد من المسؤولين بـ«إعدامات الشوارع»، إذ تحولت هذه الممارسة إلى عمل يومي حتى بتنا نسمع يوميا عن تصفيات جسدية لمواطنين فلسطينيين عزل، بما في ذلك قصر من الجنسين، بحجة محاولة طعن جنود ومستوطنين، وهي الحجة الدارجة حاليا على صفحات التبريرات الصهيونية لهذه الجرائم.
على مدى أكثر من ستة عقود مضت كان الشعب الفلسطيني هو ضحية الضعف العربي والتخاذل الدولي في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وهو الآن ضحية التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة العربية حيث تراجع الاهتمام بقضية الشعب الفلسطيني وبالممارسات الصهيونية القمعية إلى أدنى مستوياته، ليس على المستوى الدولي فحسب، وإنما على المستوى العربي أيضا، إذ بات العرب مشغولين بمقارعة ومحاربة بعضهم البعض أو بمعالجة أوضاعهم الداخلية الخطيرة، مثلما هو حال العرق وسوريا وليبيا، وهي الدول التي تحولت إلى ساحات اقتتال وتصفية حسابات عربية عربية وإقليمية ودولية كذلك.
فالقضية الفلسطينية تواجه أصعب فتراتها منذ اغتصاب فلسطين، فرغم الضعف العربي في مواجهة المخطط الصهيوني، ورغم الدعم الذي يحظى به هذا المشروع من جانب قوى دولية مؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الغربية، إلا أن الدول العربية ظلت تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى، وتمسكت، من الناحية النظرية، وبدرجة أقل عملية، بدعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرداد حقوقه المشروعة، بل إن الدول العربية في فترة من الفترات حملت على عاتقها نقل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، لكن هذه الجهود كلها الآن أصبحت جزءا من الماضي، فلم تعد قضية فلسطين تحتل تلك الدرجة من الاهتمام لدى الحكومات العربية.
الخلل لا يتوقف عند هذا الحد فقط، وهنا تكمن الطامة الأكبر، فإنّ عدم الاكتراث بالقضية الفلسطينية لم يعتر المواقف الرسمية العربية فحسب، وإنما طال المواقف الشعبية أيضا، إذ لم تعد قطاعات واسعة من المكونات المختلفة للشعوب العربية تعطي هذه القضية حقها من التضامن، ولم يعد تساقط الشهداء الفلسطينيين اليومي على تراب وطنهم يثير أي مواقف دعم وتضامن، أو حتى ردة فعل عاطفية كبيرة أو حتى شكل من اشكال الاستياء في الأوساط الشعبية العربية، باستثناء مواقف بعض الأحزاب والمنظمات السياسية التي ظلت أمينة لمبادئها ومواقفها القومية من هذه القضية، لكن مع الأسف فإنّ دور هذه المنظمات والأحزاب ليس بذلك التأثير الذي يمكن أن يحرك بوصلة الشارع العربي تجاه فلسطين مرة أخرى.
ولا تبدو في الأفق القريب أي مؤشرات على قرب انعتاق المنطقة العربية من أزمتها الحادة التي تمر بها، وبالتالي فإنّ فلسطين وقضيتها التاريخية ستبقى تنزف، وسيبقى الكيان الصهيوني أكثر إصرارا على مواصلة مشروع التهميش والتغييب التدريجي للحقوق التاريخية لشعب فلسطين، في مواجهة إصرار وتحد وصمود شعبي فلسطيني قلّ أن نجد له مثيلا لدى العديد من شعوب العالم، التي لا أعتقد أنَّها واجهت عدوا بهذه الشراسة مدعوما بأقوى وأعتى قوى عالمية احتضنتها الكرة الأرضية حتى الآن. هذا الصمود الوطني الفلسطيني يبقى هو بارقة الأمل التي تجعل فلسطين شعلة خالدة.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//