العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

متى تستفيق الدول العربية؟



هل تحتاج الدول العربية إلى حالة انهيار وضعف أقسى وأشد من الأوضاع التي تمر بها الآن، كي تستفيق من هذه النكبة الحقيقية قبل أن تلتهمها الحالة المتردية التي وصلت إليها في العقود الأخيرة من القرن الماضي وتفاقمها مع بداية القرن الحادي والعشرين والذي دشن عقده الأول ببداية سقوط وتفكك دول عربية ودخول أخرى مرحلة جديدة من الانهيار؟ نقول: ان ما تمر به الأمة العربية وما تعيشه بلدان الوطن العربي في مشرقه ومغربه من أوضاع كفيل ببدء مراجعة ذاتية عميقة ومتأنية، ومسئولة قبل كل شيء، للوقوف على الأسباب التي قادت الدول والشعوب العربية إلى السقوط في وحل تدمير الذات وتقديم الهدايا المجانية التي لا تقدر بثمن الى الأعداء الحقيقيين الذين كانوا على مدى سنوات وعقود مضت يتربصون ويتحينون أقل فرصة لتحقيق ما يصبون إليه من أهداف على حساب المشاريع الوطنية العربية.
الأوضاع التي تمر بها الدول العربية في الظروف الراهنة لا تهدد دولة من دون أخرى، ولا يعني أن اشتعال الحروب الأهلية وتصاعد حالة عدم الاستقرار في دولة ما أن الدول الأخرى في مأمن من أن تطولها ألسنة النيران المشتعلة هناك، فأولئك الذين امتهنوا صناعة الأحداث والمشاكل وإحداث القلاقل هنا وهناك لا تهمهم مصلحة دولة من دون أخرى، فلا توجد في قواميسهم مبادئ الصداقة الأزلية، وإنما المصالح الذاتية هي التي تعلو فوق كل شيء، وبالتالي، فإنه ما لم تستفق الدول العربية وتعمل على استعادة عافيتها وترميم البيوت العربية وإعادة لحمة أبنائها إلى ما كانت عليه قبل التحول الخطير والسلبي في العلاقات العربية العربية، فإن الانهيار التام هو عنوان المرحلة القادمة بكل تأكيد.
فالدول العربية بدلا من أن تركز اهتماماتها وتضع نصب أعينها على المخاطر التي تهددها من جانب قوى إقليمية ودولية، فإنها مشغولة بمناكفة بعضها البعض، بل الأنكى من ذلك أنها تقوم في مواجهة بعضها البعض بأفعال وأعمال تندرج في إطار الأعمال العدائية الضارة بالمصالح القومية العربية على المدى البعيد، هذه الحالة المزرية التي تمر بها دولنا العربية الآن كانت تعد من قبل بمثابة الحلم الذي راود عقول أعدائها فإذا بهذا الحلم يتحول إلى واقع معيش وفر مناخا مبهجا لهؤلاء ليتراقصوا على أنغام اصواته، فيما شعوبنا العربية تنزف دما وتعايش ويلات نتائجه وإفرازاته الخطرة.
كثير من المشاكل والحالات التدميرية التي تمر بها بعض الدول العربية نجد فيها بصمات عربية واضحة، فليس كل ما نمر به من حالة ضعف وتصاعد في درجة الخلافات والصراعات هو من صنع القوى الخارجية، إقليمية كانت أم دولية، فإذا كان لهذه القوى أدوار فيما نمر به الآن من حالة غير طبيعية، وهذا مؤكد، فإن للكثير من الدول العربية ادوارا أيضا في هذه الأوضاع، فالتأثيرات والضربات القادمة من الخارج يمكن مواجهتها واحتواؤها، بأقل الخسائر من خلال العمل على ترميم البيت العربي من الداخل وتمتين اللحمة القومية، أما تلك القادمة من الداخل ومن أوساطنا العربية، فإن خسائرها فادحة وتأثيراتها قوية جدا، بل هي الأكثر حسما في تحديد مسار الأحداث وطبيعة تطورها وتأثرنا بها.
الدور العربي في تأجيج الصراعات والخلافات العربية العربية يوفر للقوى الخارجية المناخ الملائم للسير على طريق تحقيق أهداف لا تمت لمصالح أي من الشعوب العربية بصلة، وإنما تصب في مصلحة تلك القوى وعلى حساب المصالح القومية العربية على المدى البعيد، فحين تدمر دولة عربية وتفقد تأثيرها في محيطها القومي، كما يحدث الآن للعراق وسوريا وليبيا كأمثلة ساطعة تؤكد حالة الانهيار العربي، فإن الانعكاسات السلبية لهذا التدمير لا بد أن تطول باقي أجزاء الجسم العربي عاجلا أو آجلا، وهنا تكمن خطورة عدم استيعاب النتائج المدمرة للحالة العربية وعلاقة نتائجها السلبية بجميع الدول والشعوب العربية في المستقبلين المنظور والبعيد.
المسألة لا تعني حالة آنية وأن آثارها السلبية محصورة في المنظور القريب وبالتالي يمكن استيعابها بأقل مجهود ومن ثم تجاوزها بسهولة، وإنما الأمر يتعلق بنتائج خطيرة يمكن أن تظهر في المدى البعيد، أي أن هذه النتائج ذات طبيعة تراكمية سلبية وخطرة بحيث ستكون الدول العربية، في حالة عدم استفاقتها السريعة من غيبوبتها الحالية، ستكون أمام تحدّ قد لا تكون قادرة على مواجهته، وإن تسنت لها القدرة على هذه المواجهة، فإنها سوف تتحمل أعباء وأثمانا باهظة جدا، ومن المؤكد أنها ستكون على حساب مصالح الأجيال القادمة.
حقيقة أن دولنا وشعوبنا العربية أمام واحد من أخطر وأصعب الامتحانات الوجودية التي تواجهها في عصرها الحديث، فما تعيشه المنطقة العربية، دولا وشعوبا، إنما يتعلق بمصيرها ويهدد وجودها ككيانات متماسكة جغرافيا وديمغرافيا وثقافيا، مثل هذا التهديد وهذا المصير له علاماته البارزة في أجزاء حساسة ومهمة من الوطن العربي، وتحديدا تلك الدول الثلاث التي سبق الاستدلال بأوضاعها لتأكيد الحالة الخطرة التي نمر بها، ورغم كل هذه الحقائق والأدلة المادية التي تشير كلها إلى أن هذا المصير يهدد مجمل الدول والشعوب العربية، ورغم كل التحذيرات التي تصدر من القوى الحريصة على حفظ ما تبقى من إمكانيات عربية لتحاشي السقوط في الهاوية، فإن كل هذه التحذيرات لا تجد لها صدى لدى صناع القرار. ألا يعني ذلك انعدام المسئولية الوطنية والقومية؟






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//