العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

سرديات:
اختلاق إسرائيل الكبرى.. التاريخ والتضليل

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٢٧ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



يمتدُ تاريخ التزوير والكذب والاختلاقات الكبرى في التاريخ البشري إلى عصور سحيقة متباعدة في القدم. وتعد أسطورة إسرائيل الأسطورة الكبرى المؤسَسة تاريخيًا عبر طبقات جيولوجية متراصة ومتداخلة من التاريخ المزوّر والمضلِّل. والعجيب في الأمر أنَّ هذه الأسطورة بتلفيقاتها التاريخية لا تزال فاعلة وستظلُّ في توجيه التاريخ البشري وفي نشوب النزاعات والحروب وفي حلول المآسي والكوارث بالأغيار الذين لا ينتمون إلى شعب الله المختار، وللباحث المصري سيد القمني كتاب إشكالي في غاية الأهمية هو «إسرائيل: التوراة.. التاريخ.. التضليل» وقد نشره قبل بضع سنوات، وأود هنا الإشارة إلى أبرز محاوره والتعليق عليها نظرًا إلى خطورتها وأهميتها لبيان أطروحات الآيديولوجيا الصهيونية المؤسّسة على أعمدة تاريخية ودينية قدسية ولبيان خطورة «الإسرائيليات» التي تسربت إلى الثقافة العربية الإسلامية من خلال بعض كتب التفسير والأحاديث الموضوعة وكتب القصاص والقص العجائبي في بعض السير الشعبية العربية وفي الحكايات الشفاهية، وهي خطورة سنقف عندها لبيان كيف استطاعت الإسرائيليات إعادة إنتاج نفسها وكيف حافظت على بقائها في المنظومة الإسلامية. كما أني سأناقش محاوره انطلاقًا المرجعية المعرفية والعقائدية لسيد القمني.

يأتي كتاب القمني في ثلاثة أقسام هي التوراة والتاريخ والتضليل. وفي القسم الأول بيّن القمني بالاستناد إلى نصوص من العهد القديم (التوراة) أو كتب موسى الخمسة والعهد الجديد (الأناجيل الأربعة) الأخطاء التاريخية التي تدل على مقدار التحريف والتشويه اللاحق بكتب العهد القديم والجديد والتي لا تتطابق مع ما أسفرت عنه الكشوفات الأثرية في مصر وبلاد الشرق الأدنى، وهو الأمر الذي يؤكد أنَّ التوراة أُعيدت صياغتها بعد النبي موسى ومرّت بمراحل، ونجد مثل هذا التنبّه لدى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) الذي ذهب إلى أن تدوين التوراة قد تمّ بعد موت موسى بزمن طويل ثم الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا (1632-1677) الذي انتهى إلى إنكار أي احتمال يمكن بموجبه نسبة التوراة إلى موسى، وقد قدّم على ذلك شواهد عدة من القرائن التي تشير إلى أن كتب العهد القديم بدءًا من سفر التكوين وحتى سفر الملوك الثاني قد كتبها عزرا الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. إلى جانب الافتراءات الرهيبة التي لحقت بشخصيات الأنبياء مثل النبي داود والنبي سليمان والنبي إبراهيم والنبي إسحق والنبي يعقوب. ويجتهد القمني في القسم الثاني الخاص بالتاريخ في بيان المبالغات التاريخية الكبرى التي صاغتها الروايات الإسرائيلية القديمة لبيان تاريخ جماعة بني إسرائيل وضخامة مملكتهم التي أقامها شاول وداود وسليمان بأورشليم؛ واصطلاح اليهود عند القمني لا يشير إلى جنس بعينه أو شعب بذاته أو مكان محدّد أو كيان سياسي بخصوصيته ونظامه قدر ما يشير إلى تصنيف طائفي يتأسس على العقيدة والملة التي اجتمع عليها البشر الذين شكلوا الجماعة الإسرائيلية. كما أن مصطلح «عبري» و«العبريين» كما يرى القمني تشمل بني إسرائيل كما تشمل شعوب جزيرة العرب. وفي القسم الأخير «التضليل» يناقش المؤلف أطروحة الباحث الصهيوني من أصل روسي إيمانويل فليكوفسكي وهو أحد منظري القومية الإسرائيلية، وله كتاب «عصور في فوضى» أصدره عام 1952 ويزعم فليكوفسكي أن إمبراطورية الهكسوس التي غزت مصر القديمة وخربت حضارتها كانوا عربًا بدوًا رعاة من العمالقة، وأنهم هم السبب الأوحد في انعدام ذكر بني إسرائيل في الرقم والنقوش الأثرية كما يزعم أن بني إسرائيل هم مؤسسو الحضارة الفرعونية، وأنهم هم بناة الأهرام الأصليين؛ أي أن فليكوفسكي يريد إحداث تقابل بين ثنائية حضارة فاعلة/ بداوة مدمرة وهو ما يقابل بني إسرائيل المتحضرين في مقابل الهكسوس العرب المدمرين. كما يزعم هذا الباحث الصهيوني أن الهكسوس هُزموا على يد بني إسرائيل بعد قرن كامل من استعبادهم لهذه الجماعة، وقد فنوا عن بكرة أبيهم واندثرت آثارهم. وقام فليكوفسكسي بتزييف دلالات برديات مصرية هي بردية ليدن التي نُسِخَتْ من قبل شخص عاش في الأسرة الثامنة عشرة كما زيّف دلالات بردية الأرميتاج التي اكتشفها عالم المصريات جولنشيف، وزيّف كذلك دلالات حجر العريش ونبوءة الخزّاف ونقش حتشبسوت الحجري!
ظهرت كتب إشكالية كثيرة تضمنت أطروحات في غاية الخطورة وكثير منها لا يستند إلى قرائن تاريخية معتد بها؛ فعلى سبيل المثال نجد أن كتاب «التوراة خرجت من جزيرة العرب» لكمال الصليبي يحرّف شواهد تاريخية ويلعب لعبة نصية مضلّلة جدًا تعتمد تحريفات الاسماء الخاصة بالأعلام والأماكن للادعاء أن أورشليم اليهود ليست في فلسطين وإنَّما في عسير!! وكتابه تضمن ذلك التحريف المضلّل غير المقنع أبدًا في لعبة الاسماء الماكرة تلك!! كما أنَّ أي مهتم بهذه المنطقة البحثية الشائكة تاريخيًا والإشكالية جدًا لا بدَّ له من قراءة كتاب (تاريخ اليهود واليهودية في جزيرة العرب) لإسرائيل ولفنسون الذي عُرِفَ عربيًا بأبي ذؤيب وهو باحث صهيوني أنجز أطروحة الدكتوراه هذه بإشراف طه حسين في الجامعة المصرية، والكتاب يحاول تأصيل الوجود الثقافي لليهود في جزيرة العرب. والجدير بالذكر أنَّ الأكاديمي السعودي فضل بن عمّار العمّاري أنجز دراسة في غاية الأهمية عن أسطورة الشاعر اليهودي الجاهلي السموأل واسم الكتاب (سمو إيل (السموأل) الأسطورة والمجهول). ونحن نقرأ كتاب سيد القمني لا بدَّ لنا من الإشارة إلى مؤلفات باحثة من أصل حضرمي هي أبكار السقّاف التي ألَّفت موسوعة كاملة عن تاريخ الأديان بما ذلك الدين اليهودي، ويبدو واضحًا تأثُّر القمني ببعض أطروحاتها في كتابه. والقمني بالمناسبة باحث إشكالي جريء في أطروحاته الفكرية ويعرّف نفسه بأنه معتزلي في حين يصنفه كثيرون مرة بأنه يبحث التاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية وآخرون اتهموه بالعمالة الأمريكية نظرًا إلى مناداته بضرورة تغيير المناهج الدينية الإسلامية. ومهما يكن من أمر فإنّ هذا الكتاب من وجهة نظري يستحق القراءة نظرًا إلى اشتغاله على منطقة تاريخية شائكة ونظرًا إلى اتسامه بمنهجية علمية في عرض الشواهد والقرائن المدلِّلة على اختلاق تاريخ صهيوني وهمي هو إسرائيل الكبرى. والجدير بالذكر أن الإسرائيليات تسربت إلى الثقافة العربية من خلال منابع معينة سأبينها في مقال قادم لي لبيان كيفية تشكلاتها في الثقافة العربية الإسلامية ومن خلال مصادر متعددة لعلّ أهمها القص العجائبي وكتب المتخيّل!

dheyaalkaabi@gmail.com


كلمات دالة

aak_news