العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

قــــــصص قصيــــرة جــــــدا
عناد امرأة صغيرة

بقلم: حسن بو حسن

السبت ٢٧ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



صغيرتي تمزق رداء الخجل ولذة متمردة تدفعها للإفلات من بين مخالب الرعب، تهديني همسة دافئة.. استقبلها وهالة ضوء تصفعني.
تموج وتبرق وترعد وتحيطني من كل الجوانب وتفعل ما يروق لها، يهاجمني ضجيج أنفاسها فأفيق على حقيقة التحامها، محاولا مغادرة المكان وتعاند ترددي وتغرق أكثر في وهج اشتياقها.
أجدني هائمًا في فرحها حين أحس باضطراب روحها يهد تجلدي ويبعثر حزني وتوجسي، استشعر سيلاً يهطل منها بغزارة، يجرفني نحو هاوية الخدر ويشرد بي إلى صراع واقع آخر غير الذي كنت أعرفه.


ليلة عطش العمدة
عمدة الحي الطاعن في السن يثور عندما يسمع أن الصبية يلعبون في الخارج، ويفرط في القسوة عليهم إذا لعبوا في الشارع العام أو تجمهروا أمام المحال التجارية.
أسأل نفسي: هل أحضر له العصا الغليظة والحبال الملساء، أو ما يلزمه لقمعهم كي أرضيه، أجده أمامي يلهث، ينفعل كالمجنون، يملأ الحي بالصخب الثقيل ويشتد به الظمأ.
تسقط من يده المسبحة الطويلة، وقبل أن أناوله كأس الماء البارد، يستجيب له رجال من الحي، يتهامسون معه بحذر شديد، أسمع بعض تمتمتهم الخفية وكلماتهم المختصرة والمفككة.
(امرأة، زوجة، نكاح دائم، يا رجل خليه منقطع، يا شيخ ليكن مسيارا، مسفارا هذه الليلة عرفي، الآن)..
وأحدهم يبسمل ويقرأ شيئًا من القرآن والأحاديث النبوية، وهو بينهم ينفرج من الهمّ ويهوي على حزمة من القطن الناعم، يبدأ رجل آخر بدعك بدنه ومسحه بزيت لزج ذي رائحة طيبة.
فرّت عيناه نحوي، انتبه لوقوفي وتقلّب نظراتي على الرجال، تحرّكت يدي نحوه بحذر، مددتها له وكأس الماء يرتجف بين أصابعي، تناوله مني وظننت أنه سيشرب لشدة ظمئه ويشكرني أو يجزل لي العطاء.
نظر إلي بازدراء ونهرني ثم سكب الماء على وجهي وصدري من دون رحمة، اشتعل أكثر من شدة الظمأ وقال لي..
اغرب عن وجهي أيها الصبي.. لا أريد ماءً الآن.
هـديل بنات الحي
بسط كفه الممتلئ بالشعير وانتظر، وكلما لاحت له حمامة من بعيد مدّ بصره وأرخى يده أكثر ظنًّا منه أنها مغلولة بعض الشيء.
نظراته تراقب السماء والأسطح حيث مراتع الحمام وأمكنة استراحتها، يمتلئ بالصبر حين يتذكر أن الحي بأكمله كان يستيقظ على هديل الحمام وهي تغني وتصفق بأجنحتها وتحلق في سرب طويل فوق رؤوس الرجال الذاهبين للعمل ببدلاتهم المتسخة، فيعاود الانتظار.
الشمس تغادر مكانها وتدخل البحر، والحمام مازال يمارس طقوس البحث عن الحبوب ويحوم في السكون واللون الأسود القادم توًّا.
ابتلعه الليل وفصل الشتاء والبرد القارس والحزن والوحدة، من بعيد لمح حمامة تلتحف رداءً أسود وتقترب منه، ظن أنها تتلمّس طريقها إليه بحثًا عن الشعير الذي يملأ كفه، وعندما اقتربت منه أكثر سقط الشعير من يده المرتعشة على الأرض، لكنها لم تأكل منه حبة واحدةً، وراحت تتجوّل وتبحث فوق الأسطح.
ابتـلاع الجـسد
كلّما تكاسلت عن الذهاب معه إلى البحر، قال لي (قم سأريك أملاكي التي هي لك بعد حين)، أردّ عليه (بعد عمر طويل يا أبي).
يا لحنكته وروعته، كان يعرف كيف يبتلع الخمول من جسدي، ويجرجرني بالكلام ويردفني خلفه وأنا أصفق طربا لمرافقته. وكان يبث فيّ الحماس والتطلّع إلى المستقبل بعينين ثاقبتين، وكلما توغّلنا في البحر ولمح باخرة قادمة من بعيد، قال لي: هي يا ولدي.. انظر، هذا المركب ملكي، وباخرة عملاقة أخرى قادمة في اتجاهنا، يغني لي من جديد ويطربني أكثر، هناك يا ولدي إنها قادمة، هي لي أيضًا، وتلك التي على يمينك، والأخرى التي على شمالك والـتي خلفك، كلها لي ولك من بعدي وأطرب حتى الثمالة.
امتلأ البحر بالبواخر العملاقة وصار ميناء ومرسى، أشار لي على كل البواخر من دون استثناء، ورحل عني وهو مطمئن القلب، ومع كثرة رحلاتي البحرية معه، لم أركب سوى هذا القارب الصغير، المسجى أمام البيت.
انـتظار
هاجمت السيد شرف فكرةُ البحر والصيد، ارتآها مجزية، قام على عجل، أحضر الشبكة وسلّة السمك، اطمأن على صحته وهمّ بالخروج، أخبر زوجته وأولاده بأنه ذاهب للصيد ولن يتأخر، قبّل رأس والدته وطلب منها الدعاء والرضا، اتصل بكل إخوانه وأصدقائه وأخبرهم بأنه ذاهب للصيد وسيعود محملاً بالأسماك الطازجة، أخبر كل من اعترض طريقه أنه اليوم بصحة جيدة وذاهب للصيد.
عندما انتصف الطريق، هتف وغنى، (انتظروني، سأعود)، كان البحر في استقباله، وأطفال أشقياء مازالوا يلعبون ويمرحون، خلع ملابسه كما كان يفعل سابقًا ونزل سريعًا داخل البحر، احتضنه الماء بحنيّة وخبّأه في اللون الداكن، فتح عينيه على سمك يداعب قدميه، بعد ساعات مضنية، همّ بالخروج من البحر مرفوع الرأس، تلّفت حوله، وفجأة، هاجمه اليأس حين لم يجد ثيابه في مكانها والأباليس تركوه في البحر عريانًا وغادروا، والساحل طواه الزمن، قرّر أن ينتظر الظلام ليستتر فيه، طال الوقت ولم يأت الليل، احتار كيف يجمّد السمك الوفير، استمر الحال، سيد شرف لم يعد قادرًا على دخول البحر مرة ثانية، والأطفال كبروا ولا شيء أمامه سوى انتظار عودة الساحل ليخرج من البحر.
انتـظار آخر
ارتشف أبي فنجان القهوة ومدّ يده، لم يسحبها أو يهزّ كفه، انتظر الفنجان الآخر، تأخر كثيرًا، أمطر أخي الصغير بِوابل من النظرات، كاد أن ينفجر وهو يشاهد بأمّ عينيه ولدًا صغيرًا يخرق التقليد العربي الذي تعلّمه من أجداده، فتح نارَ غضبهِ على عمّي وصرخ في وجهه بصوت عال، (البئر يا أخي ما فيها خير)، تساقطت هذه الكلمات على عمي كحبات الجمر وأغبطته، كان وقعها شديدًا جدًّا كما لمحته من احمرار وجهه وتلعثمه في الكلام، ردّ عليه بصوت خافت (كيف ما فيها خير والكل يغرف منها إلى يومك هذا).



كلمات دالة

aak_news