العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

قضايا ثقافية
الكـــوليــــرا

بقلم: سلمان الحايكي

السبت ٢٧ فبراير ٢٠١٦ - 03:00




هناك من يعتقد ان الشعر لا يمكنه أن يحرك ساكنًا سواء في واقع الشاعر الذي يعيش التجربة ويبدع فيها أو التأثير في (الزمكان) أي المحيط العالمي وكل ما يرتبط بحركة الإنسان على وجه الكرة الأرضية ويشكل له تاريخه المُعاش.
وقد أثبتت الشاعرة العراقية نازك الملائكة في قصيدة فجَّرتها عام (1947) باسم (الكوليرا) ان للشعر تأثيرا على البشرية ويمكنه أن يُغيِّر الظروف أو الواقع أو الحياة برمتها بما فيها كل ما يتعلق بتنفس الإنسان ورغبته في حياة أفضل.
في ذاك العام انتشر وباء الكوليرا في مصر وكان يفترض من الحكومة المصرية أن تحشد قواها من أجل محاربته ومحاصرته ومن ثم القضاء عليه وساهمت الشاعرة بقواها الفنية ومشاعرها في إنتاج هذا العمل (الكوليرا) وبصوغٍ جديد هو (الشعر الحر) الموزون الذي يعتمد على التفعيلة والقصيدة هي الأولى للشاعرة في هذا المجال ولم يسبقها أي شاعر آخر وفقًا لما ترويه البحوث الشعرية باستثناء ما يقال عن الشاعرين عبدالوهاب البياتي وبدر شاكر السياب.
هذا الحدث حرَّك مشاعر الشعر في ذات وأحاسيس الشاعرة والتي ولدت عام (1923) في العراق وغادرت الحياة في القاهرة عام (2007) بعد عزلة اختيارية.
تقول الكوليرا:
(أصغ إلى وقع صدى الأنَّاتْ
في عمق الظلمة تحت الصمت على الأموات
صرخات تعلو تضطربُ
حزنٌ يتدفق يلتهبُ
يتعثر فيه صدى الآهاتْ).
من خلال هذا المقطع نكتشف ان الحدث كان له أشد الانعكاس على نفس الشاعرة وجوارحها وبالتالي يؤكد لنا ان الواقع له ارتباط روحي بالشاعر وما ينتجه جزء من هذا الواقع ومكمل له فالصرخات للمصابين كصرخة غيرهم والشاعرة منهم ولو لم يكن للواقع تأثير ما عرفنا نحن بعد مضي كذا سنة ان الشاعرة نازك الملائكة مرَّت بتلك التجربة ومن قراءتنا الأولى لها تأثرنا بها وهو دليل أكيد على ان الشعر كمادة كلامية تتساوى بالمادة العلاجية التي تساهم في القضاء على الوباء المتفشي.
تقول الشاعرة:
(تشكو البشرية تشكو ما يرتكبُ الموت
الكوليرا
في كهف الرعب مع الأشلاءْ
في صمت الأبد القاسي حيث الموت دواءْ
استيقظ داء الكوليرا
حقدًا يتدفقُ موتورا
هبط الوادي المرح الوضَّاءْ).
إن التشبيهات والكنايات في الفن الشعري والأوصاف تكاد تحرق ذات الشاعرة من فرط التأثر حتى إنها تتهم الموت الذي يتحول إلى دواء لإسكات المصابين.
وتواصل بحرقة:
(لا شيء سوى أحزان الموت
الموت، الموت، الموت،
يا مصر شعوري مزَّقهُ ما فعل الموت).
إن كان هذا الشعر لا يؤثر أو لا يُحرك ساكنًا لتتحول القصيدة إلى جرس إنساني هل هناك شعر آخر يُكتب ويتعب عليه الكاتب وبعد ان ينتهي منه يموت في لحظته لكن قصيدة (الكوليرا) لنازك الملائكة التي كتبتها عام (1947) لم تمت وقد مضى على تاريخ ولادتها (68 سنة) وهي من الشعر الحديث (الحر) لكن بين أيدينا -وتلك حقيقة مؤسفة- مئات المجموعات الشعرية صارت رميمًا بينما الكوليرا تعيشُ وتُرزق.

Sah.33883@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news