العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

حديث وزير الداخلية والخطاب الطائفي



كثيرة تلك القضايا والهواجس الوطنية الكبيرة والمهمة التي عرج عليها وزير الداخلية في لقائه الأحد الماضي مع الفعاليات الوطنية المختلفة، وهي قضايا وهواجس تمس مباشرة مصلحة البحرين ومستقبل شعبها، وخاصة في مثل هذه الظروف الإقليمية الصعبة التي تواجهها دول المنطقة بشكل عام نتيجة صراعات إقليمية آخذة في الاتساع والتطور، والوزير وإن ركز في تفاصيل القضايا التي طرحها أمام الحضور، على الاتهامات الموجه لإيران ودورها في أحداث العنف التي تشهدها البحرين منذ شهر فبراير من عام 2011 والتي استمرت تداعياتها إلى يومنا هذا، وما حملته من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة ألقت بظلالها على كواهل جميع أبناء البحرين، فإنّ الوزير استوقف ايضا وبدقة أمام خطر التأجيج الطائفي وشدد على رفض البحرين، قيادة وشعبها، تقسيم مجتمعنا إلى شعبين.
خطر التأجيج الطائفي ربما يعد واحدا من أكثر الأخطار تهديدا لوحدة ونسيج المجتمعات قاطبة، وبالنسبة لخصوصية الانتماء المذهبي لشعب البحرين، فإنّ هذا الخطر يتعاظم، والعلة هنا ليست في الانتماء بحد ذاته، فالانتماء المذهبي أو الديني أو أي انتماء فكري آخر، إنما هي سمة بشرية عامة لا يستطيع أحد أن ينفيها عن هذا المجتمع أو ذاك، لكن الخوف، كل الخوف من استغلال التنوع المذهبي لدق إسفين من الخلافات بين أبناء الوطن الواحد وتأجيج نار الطائفية بين الفريقين، وهو ما حذر منه وزير الداخلية وأكّد بشدة على رفض ذلك من منطلق أن هذه الأرض تتسع لجميع أبناء البحرين وأن الانتماء الأكبر هو للوطن وليس للطائفة.
في السنوات الأخيرة لعب خطاب التأجيج الطائفي والديني دورا سلبيا أثر على النسيج الاجتماعي للعديد من الشعوب، وأن شعب البحرين ليس استثناء، وخاصة أنه يعيش وسط محيط مليء ويغص بمثل هذه الخطابات، ناهيك عن أن أفرادا وجماعات في المجتمع البحريني تأثروا بهذا الخطاب وأخذوا يرددون مفرداته عبر مختلف القنوات، وسهلت التقنيات الحديثة انتشار هذا الخطاب وتعاظم تأثيره وسط قطاعات مختلفة، وخاصة القطاعات الشبابية التي، مع الأسف لم تكن محصنة بما فيه الكفاية من تأثير هذه الآفة الخطيرة على توجهاتها الفكرية والدينية.
أعتقد أنَّ كلمات وزير الداخلية الواضحة في هذا الاتجاه والرفض الصريح لأي توجه من هذا القبيل، يجب أن تكون بمثابة البوصلة التي علينا الاقتداء بمؤشرها لمنع توغل الخطاب الطائفي في مجتمعنا أكثر مما هو عليه الآن، علينا ألا نستهين بمخاطر وضرر مثل هذا الخطاب التجزيئي والتفتيتي، فهو بمثابة السوسة التي تنخر جسد المجتمع ولن يسلم من أضرارها أي مكون من مكونات شعبنا، الدينية منها أو المذهبية، فنحن بحاجة إلى آلية دقيقة وصارمة للتصدي لخطاب الفتنة والتأجيج الطائفي ونشر البغض والحقد بين مكونات هذا الشعب الذي ألف العيش المشترك على مدى قرون من الزمن رغم كل المحاولات السابقة لإحداث الفتنة بين أبنائه.
ما شهدته البحرين من أحداث منذ فبراير من عام 2011، ليس هينا ولا قليلا، وليس مطلوبا منا أن نغرس رؤوسنا في الرمال هربا من تشخيص هذه الأحداث وتشريح مكامن أسبابها وأهدافها، لكن في مقابل ذلك ليس مطلوبا منا أن نستسلم لتداعياتها ونعتبرها بمثابة اللعنة الأبدية التي حلت بشعبنا، فهذه الأحداث وإن ساهمت بشكل أو بآخر في ارتفاع وتيرة ونبرة الخطاب الطائفي التجزيئي فإنها لا يجب أن تكون كابوسا يجثم على حركتنا ويمنعنا من التصدي لتداعياتها المختلفة بكل جرأة ومسؤولية وطنية تضع أولا وقبل كل شيء في المقدمة مصلحة وطننا وشعبنا، بعيدا عن أي حسابات ضيقة، وانتماءات لا تمت للمستقبل بأي قوة أو قدرة على الصمود أمام الأحداث الكبيرة.
فإذا كانت أعمال التخريب والإرهاب أو أي شكل من أشكال العنف، مقدور عليها باتخاذ الإجراءات الأمنية الكفيلة بمحاصرتها والتصدي للواقفين وراءها، وإذا كنا قادرين على وقف أي تدخلات خارجية في شؤوننا الداخلية عبر تحصين الجبهة الداخلية بالمزيد من التكاتف والالتفاف حول راية ومصالح الوطن العليا، فإنّ مهمة التصدي لخطاب التأجيج الطائفي وتفتيت المجتمع البحريني مذهبيا يعد من المهام الصعبة والثقيلة جدا، وأن خطره لا يقل عن خطر الإرهاب، إن لم يكن أشد وأعظم منه، لأنّ الهدف من وراء هذا الخطاب هو النسيج الاجتماعي لشعب البحرين بأكمله، وليس لمصالح طائفة دون أخرى، وهو ما يعني إضعاف الجبهة الداخلية.
الغالبية العظمى من أبناء البحرين لم تتلوث قلوبهم بوباء الخطاب الطائفي البغيض، والخوف والخطر يأتي من صوب من لا ينتمون إلى هذه الأغلبية، فشعبنا ليس مثاليا وليس محصنا من المنزلقات الخطيرة، ولوثة التأجيج والخطاب الطائفي التي أصابت شعوبا عربية وتسببت في تناحر أبنائها وتقاتلهم، يمكن أن تصيب شعبنا أيضا، إن لم نحسن التصدي لبذور التأجيج الطائفي في مهدها، لا أحد يطالب بتجريم الانتماء المذهبي أو الديني، فأجدادنا وآباؤنا ألفوا العيش المشترك وسط تعدد متنوع وجميل منذ مئات السنين وعشرات العقود، لكننا نرفض وسنبقى نتصدى لأي عمل أو خطاب من شأنه أن يحول هذا التعدد الجميل إلى وباء خطير يهدد مستقبل شعبنا ووطننا، فهذا المستقبل القائم على العيش المشترك يجب أن يبقى في منأى عن أي مساومة أو تفريط.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//