العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الميثاق محطة التقاء الجميع



استقبلت بلادنا قبل عدة أيام الذكرى الخامسة عشرة للتصويت على ميثاق العمل الوطني الذي شكل بحق محطة التقاء مختلف أطياف المجتمع البحريني بشرائحه السياسية والاجتماعية بتسجيله واحدة من أعلى نسب التصويت عندما بلغت نسبة المؤيدين أكثر من 98 في المائة ليقدم بهذه النسبة العالية الدليل الأكيد والموثوق على إيمان وقناعة الغالبية العظمى من أبناء شعبنا بضرورة الانتقال من حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي عاشته إبان أحداث التسعينيات من القرن الماضي إلى حالة الالتفاف الوطني الجامع حول مشروع التحديث والبناء السياسي والاقتصادي الجديد الذي دشنه جلالة الملك بمشروعه الإصلاحي، باعتبار هذا الخيار هو الطريق الناجع القادر على إيصال بلادنا إلى مصاف الدول المتقدمة التي استطاعت بفضل التزامها بنهج الإصلاح والتطور المستمر، أن تؤسس لنفسها أرضيات صلبة وقوية تتكئ عليها لمواصلة مسيرة البناء والتحديث على كافة الأصعدة.
سنكون مثاليين جدا لو زعمنا أن العمل على تطبيق المبادئ السامية والكبيرة التي جاء بها ميثاق العمل الوطني، سار كما كان تحلم به وتتمناه الغالبية العظمى التي توجهت إلى صناديق الاقتراع لإضفاء الشرعية الجماهيرية على هذه الوثيقة التاريخية المهمة، فالانتقال من الأوضاع الصعبة التي شهدتها بلادنا في حقبة التسعينيات من القرن الماضي إلى فضاء أرحب مختلف تماما عن تلك الحقبة، أي فضاء مبادئ الميثاق، ليس بالأمر الهين والسهل، فرغم التصويت الواسع والكبير على الميثاق، إلا أن البعض لا يزال غير قادر على استيعاب سمات المرحلة الجديدة ومتطلباتها، أضف إلى ذلك، فإنّ تطبيق جميع مبادئ الميثاق وفي فترة زمنية قصيرة يعد أمرا صعبا، الأمر الذي لا بد أن يواجه بعض الصعاب والعراقيل.
أضف إلى ذلك، فإنّ خمس سنوات من حالة عدم الاستقرار التي دخلتها البلاد في أعقاب أحداث الرابع عشر من فبراير عام 2011، والتي اندلعت تزامنا مع ما شهدته بعض الدول العربية من أحداث اصطلح على تسميتها بــ«الربيع العربي»، وهو الربيع الذي لم تزدهر فيه وردة واحدة في الدول التي دشنت هذه الأحداث، بما في ذلك تونس التي لم تعرف الهدوء والاستقرار الحقيقيين، رغم أنها أفضل حالا من شقيقاتها ليبيا وسوريا ومصر، نقول إن أحداث فبراير في البحرين تعد واحدة من المحطات التي تعثرت فيها تطبيق مبادئ ميثاق العمل الوطني إذ شكلت أحداثا في غاية الخطورة على الاستقرار المجتمعي وتهديدا حقيقيا للمشروع الإصلاحي نظرا إلى ما صاحبها من خسائر بشرية ومادية واقتصادية واجتماعية كبيرة لم تعرفها البحرين طوال تاريخها الحديث.
هذه الأحداث الخطيرة والكبيرة التي أثرت سلبا على المناخ الإيجابي الصحي الذي خلقته عملية التصويت على ميثاق العمل الوطني وما تلا ذلك من السير في العملية السياسية عبر تنظيم الانتخابات البلدية والنيابية التي شهدت مشاركة واسعة في عدة دورات انتخابية، رغم ما تخلل بعضها من مقاطعة من جانب قوى سياسية، هذه الأحداث جاءت في نظر البعض بمثابة الفرصة المواتية لتسجيل «البطولات الوطنية» حيث ارتفعت وتيرة الانتهازية السياسية والوصولية والأنانية، وهي كلها تصرفات وممارسات زادت من حالة عدم الاستقرار والتأثير السلبي للأحداث وتسببت في تعميق الشرخ المجتمعي من بوابة التأجيج الطائفي الذي مثل أخطر التحديات أمام مجتمعنا البحريني، الأمر الذي تطلب تكاتف وتآزر مختلف المكونات المجتمعية للتصدي لهذه الآفة الخطيرة.
التأجيج الطائفي الذي يمثل أحد أخطر التحديات أمام قدرة أبناء شعبنا على الصمود في وجهه، فهذه الآفة نقيض الأهداف التي جاء من أجلها ميثاق العمل الوطني، ومن هنا نقول: إنه بالقدر الذي يعبر فيه أبناء شعبنا عن تمسكهم بهذه الأهداف وبالمبادئ التي نص عليها الميثاق والتي من أجلها خرج أكثر من 98 في المائة من أبناء شعبنا لتأكيد احتضانهم ودعمهم لهذه الوثيقة الوطنية المهمة، بهذا القدر من الإرادة يجب التصدي لآفة التأجيج الطائفي ومحاصرة مروجيها والمنتفعين من الأجواء المسمومة التي خلقتها بعض الأحداث الداخلية وتلك الأحداث الخارجية التي نجد صداها يطن في الآذان.
رغم كل هذه التداعيات والتطورات السلبية والخطيرة، يبقى ميثاق العمل الوطني في نظر جميع الفرقاء، مهما اختلفوا في قراءة عملية تطبيقه وتقييمهم لهذا التطبيق، سيبقى المحطة المضيئة في تاريخ البحرين وباعتراف الجميع، الأمر الذي يشكل نقطة الالتقاء التي يجب علينا جميعا عدم تضييع المؤشر نحوها، والعمل على التمسك بها للمساعدة على مغادرة المحيط غير الصحي الذي صنعته أحداث الرابع عشر من فبراير وما تلاها من تطورات وتداعيات، لا تزال آثارها مستمرة حتى الآن وتنعكس سلبا على مسيرتنا الوطنية، هذه المسيرة التي لا يمكن أن تتواصل وتتطور إلا من خلال مشاركة جميع أبناء البحرين ومن مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
التمسك بمبادئ الميثاق والإصرار على مواصلة المشروع الإصلاحي وتطويره يعدان واحدة من الضمانات لنجاح أبناء البحرين في تجاوز العقبات التي صاحبت عملية التطبيق والممارسة العملية للإصلاحات السياسية واللعبة الديمقراطية، لأنّ الممارسة والاستمرار فيها تعتبر العملية الحقيقية لاختبار مدى القدرة على ترجمة الأفكار والمبادئ النظرية إلى واقع عملي، وهي عملية تشوبها العقبات والعراقيل بكل تأكيد، لكن العبرة في التمسك بعملية التطبيق وعدم الاستسلام لهذه العراقيل أو اليأس لمجرد مواجهة عثرة أو حالة إخفاق.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//