العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

لمــاذا لا نفيــق إلا متــأخـريـن؟!



تحدثت في مقال سابق عن ظاهرة غياب التفكير الاستراتيجي العربي، وعدم الاكتراث بامتلاك رؤية ولا خطط للمستقبل ولكيفية الاستعداد للتعامل مع الأخطار والتحديات، وكيف أن هذا الغياب يعتبر كارثة بكل معنى الكلمة.
وإذا أردنا أن نضرب أمثلة لهذا الغياب وما جره على الدول العربية، فإنّ الأمثلة أكثر من أن تُحصى.
ومن المهم أن نُشير في هذا السياق إلى ثلاث قضايا كبرى تعاني منها دول مجلس التعاون الخليجي، والدول العربية عموما، اليوم تُجسِّد هذا الغياب وتبعاته.
القضية الأولى تتعلق بحقبة ما بعد النفط.
المسألة هنا أنه منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تفجُّر ما سُمِّي طفرة العوائد النفطية، طالب خبراء وباحثون ومحللون عرب بضرورة الإعداد لحقبة ما بعد النفط. عبر عشرات الدراسات والتحليلات، نبَّه هؤلاء بصفة خاصة إلى ضرورة أن تسعى دول الخليج العربية بالتدريج وبشكل جاد مدروس إلى تنويع اقتصادياتها وتقليل الاعتماد على النفط ومداخيله، وحذَّروا من مخاطر التراخي في هذا المجال.
الذي حدث أن دول الخليج العربية عبر العقود الماضية حاولت بدرجات متفاوتة من النجاح تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل. لكن الجهد في هذا الاتجاه كان عمومًا دون المستوى المفروض بكثير جدًّا.
ولننظر ماذا حدث اليوم حين فوجئت دول الخليج العربية بالانخفاض الرهيب في أسعار النفط بكل ما ترتب على ذلك من تأثيرات.
كما نعلم، دخلت دول الخليج العربية في أزمة حادة، واضطرت إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية عانى منها المواطنون أشد المعاناة. والآن فقط، بدأنا نسمع أحاديث عن ضرورة الاستعداد جديًّا لما بعد النفط وإعادة بناء الاقتصاد.
القضية الثانية، تتعلق بأمريكا وعلاقاتها مع دول الخليج العربية، والدول العربية عمومًا.
الحادث هنا أيضًا أنه منذ عقود، طالب كثيرٌ من الباحثين والساسة الدول العربية بتنويع تحالفاتها الاستراتيجية، وحذَّروا من خطر حصر هذه التحالفات في أمريكا والدول الغربية، ومن أن أمريكا خصوصًا معروف عنها استعدادها للتضحية بحلفائها في أي وقت بحسب ما تقتضيه مصالحها.
ولم تأخذ الدول العربية هذه القضية مأخذ الجدِّ أبدًا، وظلت تراهن على أمريكا والدول الغربية في كل شيء وتتعامل معها كحلفاء استراتيجيين إلى الأبد.
حدث هذا إلى أن أفاقت الدول العربية في السنوات القليلة الماضية على حقيقة أمريكا، وتابعت بذهول كيف تتآمر عليها بالمعنى الحرفي للكلمة، وتدعم القوى الانقلابية التي تستهدف الدولة والمجتمع، ولم تترد أخيرًا في التوجُّه إلى دولة معادية للعرب مثل إيران على حساب المصالح العربية ومصالح دول الخليج العربية بالخصوص.
ومؤخرًا فقط، بدأت الدول العربية تأخذ جديًّا مسألة الانفتاح على القوى العالمية الأخرى وتوثيق العلاقات معها، وبدأت تدرك أن أمريكا ليست في نهاية المطاف حليفًا موثوقًا.
القضية الثالثة، تتعلق بالعلاقة بين أمن الخليج والأمن القومي العربي.
هنا أيضًا، ومنذ عقود دعا خبراء وباحثون استراتيجيون إلى التنبُّه إلى الأهمية الحاسمة للربط بين أمن الخليج والأمن العربي وترجمة ذلك ترجمة عملية.
لكن هذا لم يحدث على الأقل بالشكل المطلوب، وظل الرهان دومًا على أمريكا والغرب في مسألة أمن الخليج العربي.
ومؤخرًا فقط في الفترة الماضية تنبَّهت دول الخليج العربية إلى الأهمية الحاسمة للربط بين أمن الخليج والأمن العربي، وترجمت ذلك في عاصفة الحزم مثلا، وفي إدراك أهمية توثيق العلاقات الاستراتيجية مع مصر، وأهمية تطوير القدرة الجماعية العربية على مواجهة الأخطار والتحديات.
هذه القضايا هي مجرد نماذج للثمن الفادح الذي دفعناه جراء غياب التفكير الاستراتيجي بعيد المدى وبناء السياسات والمواقف والقدرات بناءً على ذلك.
نثير هذه القضية اليوم وننبِّه إليها ببساطة لأنّ أوضاعنا العربية لم تعد تحتمل هذا.. لم تعد تحتمل التعامل مع المستقبل بعدم اكتراث وعدم الاستعداد له.
لقد شهدنا في السنوات القليلة الماضية أوطاننا العربية وهي تضِيع بالمعنى الحرفي للكلمة. ورغم ما حل بنا من دمار، فإنّ المستقبل يحمل أخطارًا أكبر ومخططات أجنبية أفدح تستهدفنا.
ستكون جريمة كبرى في حق أوطاننا وحق الأمة بأسرها، إن لم نسع على المستوى الرسمي وغير الرسمي، إلى المعرفة الدقيقة بما يُخطَط لنا وما يُراد لمستقبلنا، وإلى وضع الخط والسيناريوهات العملية لمواجهة ذلك ولصناعة مستقبلنا كما نريده نحن.
لم يعد مقبولا أبدًا أن نظل هكذا لا نفيق إلا متأخرين جدًّا، وبعد فوات الأوان.







إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

aak_news