العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٩ - الجمعة ١٣ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

رعد الشمال... رعد السعودية!



} المملكة العربية السعودية، أجبرتها ظروف العبث الإيراني والغربي بمصائر الأوطان العربية، واستهداف بعض دول الخليج العربي بشكل مباشر، على أن تغير أصول لعبتها السياسية وأصول دبلوماسيتها وأصول تحركاتها السابقة، لأنها أدركت مثلما أدرك قادة آخرون في الخليج وفي مصر وغيرها أن هذا العالم لا يحترم إلا القوة، ولا يعرف لغة غيرها، وخاصة (الدول الكبرى وإيران) والأخيرة لعبت على كل الأوراق، من خلال اختطاف (الطائفة الشيعية) والتحكم فيها وتأليبها على الأنظمة الشرعية في الخليج وعلى أوطانها في أمكان أخرى وعلى شركائها في الوطن الواحد، (ونحن هنا نتحدث عن آلية العمل الإيراني حين الحديث عن الطائفة) لأننا نعلم أن هناك كثيرين في الطائفة ما عدا الموالين لإيران الولي الفقيه، يتململون اليوم بشدة من (الوصاية الإيرانية) عليهم، وخاصة بعد انفضاح دورها وانكشافه في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
والمهم في ذلك كله أن ردود الأفعال الخليجية وخاصة السعودية، لم تعد كما كانت أو كما اعتاد عليها المتابع في العالم.
} إن ترك الولايات المتحدة دول المنطقة لكي تقرر مصيرها بنفسها ولكي تواجه بنفسها أيضا (حربين ضروسين) أوقدت هي نيرانهما ثم ادعت محاربتهما! وهما إرهاب داعش والفصائل المتطرفة الأخرى من جهة، وإرهاب «جمهورية إيران الشريرة» بحسب تعبير بعض الساسة الغربيين أنفسهم حيث كانت على قائمة محور الشر في العالم قبل الاتفاق النووي، نقول إن ذلك الموقف الأمريكي والغربي الغادر وإن اختلفت درجاته، جعل الصورة تتضح يوما بعد آخر، بأن اللعبة الأمريكية في المنطقة في أحد وجوهها، هي لعبة الموت «للأطراف المتصارعة» أي أن تترك الساحة مفتوحة لكي تتواجه الأطراف بكل ما لديها من قوة، والطرف الذي ينجو هو الطرف الذي تلعب معه مباشرة بعد ذلك إن راق لها فوزه! إما بإعادة لغة المصالح معه وإما بالتفكير في نمط آخر من التدمير له! فهي وهم -أي أمريكا والغرب- يفضلون المنطقة والخليج من دون ناجين بل متصارعين حتى الموت!
} منذ أن دخلت السعودية وأشقاء خليجيون آخرون البحرين عام 2011 من خلال درع الجزيرة، لحماية المنشآت الحيوية، وإرسال الرسالة الأولى إلى من يجب أن تصل إليه الرسالة، فإنّ المتغيرات بدأت تأخذ مسارها بعد ذلك في القيادة السعودية، وخاصة في نمط التحالف الخليجي نفسه، ومن ثم الوقوف بقوة مع مصر وثورتها التصحيحية 30 يونيو 2013، ثم عاصفة الحزم - إعادة الأمل، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب السعودية والبحرين مع إيران، التي اعتقدت أنها تستقوى بإنجاز الملف النووي الخاص بها مع الدول الكبرى، ثم تغير اللهجة الدبلوماسية السعودية نحو الخطاب الأقوى والأكثر حسما، وصولا اليوم إلى «رعد الشمال» والاستعداد السعودي لمحاربة «داعش» داخل الأرض السورية، مع عدم قطع الخيوط مع روسيا التي باتت تتصرف في سوريا وكأنها المتصرف الأوحد هناك!
} مناورات «رعد الشمال» تشارك فيها 20 دولة عربية وإسلامية في ظل تعقيدات عربية وإقليمية ودولية متزايدة، والهدف الأهم فيها هو توجيه رسالة أيضا إلى كل من يهمه الأمر، وإلى إيران على وجه الخصوص، بأن لا تهاون بعد اليوم في حفظ الحدود والوجود والهوية، مهما كان الثمن باهظا، ما دامت هذه هي اللغة التي يفهمها عالم اليوم!
هي المناورات الأكبر في تاريخ المنطقة بقيادة السعودية من حيث الإعداد والإمكانيات والعتاد والأسلحة والعدد، وهي مناورات دفاعية لكل من شارك فيها، حيث بات (الدفاع الذاتي عن النفس) هو العنوان الجديد لتحركات هذه الدول، وهي في ذات الوقت رسالة إلى العالم على قدرة السعودية، على التحشيد العربي والإسلامي، متى أرادت، مرفوقة برؤية سياسية جديدة، ولغة دبلوماسية أقوى بكثير مما سبق، مما يجعل التحرك فيها يجبر السعودية ودول الخليج المتحالفة معها على بلورة «رؤية استراتيجية» مغايرة لمواجهة العبث الأمريكي والإيراني سواء في المساحات الساخنة كالعراق وسوريا وليبيا واليمن أو المساحات المفتوحة على السخونة، وهذا يقود بدوره إلى تحرك سعودي إعلامي جديد في المواجهة، نتمنى دخول كل الطاقات الخليجية والعربية فيها، لأنّ نصف المعركة هو في الإعلام والخطاب الدبلوماسي المدروس والقوي.
} السعودية كل يوم تتجه إلى مزيد من الحسم في قضايا كثيرة، ولعل قطع المساعدات عن الجيش والأمن في لبنان، كان (صاعقة) للداخل اللبناني جرّاء سيطرة «حزب اللات» على السياسة اللبنانية وإخراجها من ساحتها العربية، تجاه مناصرة إيران على العرب! مما يشير إلى أن السعودية ودولا خليجية أخرى، في مفترق الطريق المصيري هذا اليوم، قادرة على أن تتبع لغة الحزم، مع كل من يسهم في العبث بهذا المصير الخليجي والعربي.
ونعتقد أن «رعد الشمال» بقيادة السعودية، قادر بدوره على أن يوصل الرسالة المطلوبة، ليس فقط لإيران وإنما لدول كبرى اختارت أن تعبث بأمن واستقرار المنطقة والخليج، فلم يبق أمام دولنا إلا الدفاع عن النفس بشراسة، وخاصة أن المواجهة هي «مواجهة وجودية» بكل معنى الكلمة، وإن لم يرد البعض أن يصدق ذلك حتى اللحظة!





إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

aak_news