العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

وترجل أيقونة الصحافة



لن يختلف اثنان على أن رحيل المفكر والكاتب والصحفي العربي المصري الكبير محمد حسنين هيكل يشكل خسارة كبيرة للصحافة العربية، والعالمية أيضا، باعتباره واحدا، إن لم يكن الوحيد، من بين أعلام صاحبة الجلالة الذي تمكن من أن يجعل من نفسه منهلا للباحثين والمحللين السياسيين الساعين لمعرفة وكشف الكثير مما تحويه دهاليز السياسة والأوضاع العربية من أسرار، فتحليلاته وقراءاته للأوضاع والأحداث التي جرت وتجري في الساحة العربية كانت بمثابة المرجع الموثوق للباحثين والمحللين الساعين وراء الحقيقة، العرب والأجانب على حد سواء.
هذه التحليلات والقراءات ترقى في نظر هؤلاء إلى مستوى الأدلة العلمية، نظرًا إلى ما يتمتع به الراحل الكبير من قدرة غير عادية على اختراق بواطن الأحداث، وما يتمتع به ويمتلكه من أدوات فكرية، سياسية واجتماعية وفلسفية، قادرة على تفكيك رموز ما تحويه هذه الدهاليز من خبايا، كل هذه الإمكانيات والمواهب اجتمعت في هيكل لتجعله بحق أيقونة الصحافة العربية في القرن العشرين وما تبعته من عقد ونيف.
رجل بهذه القامة العالية وهذا الحضور القومي والعالمي وسط الأمواج العاتية في البحار العربية التي لم تعرف الهدوء والسكينة طوال عقود القرن الماضي ثم ارتفعت أمواجها أعلى مع دخولنا الألفية الجديدة، رجل يمتلك بين يديه كل أدوات تفكيك ألغاز الألعاب التي تشهدها المنطقة العربية والعالم والدور الذي تلعبه القوى الإقليمية والدولية في ذلك، من المؤكد أن يكون محل جدل واختلاف بين مختلف الفرقاء، وأن يضعه البعض في مصاف القديسين، لكنه لدى آخرين لن يكون في هذا المقام بكل تأكيد، وهذه سمة طبيعية مع كل الشخصيات المميزة والأرقام الصعبة والكبيرة والتي يعتبر محمد حسنين هيكل واحدا منها.
مهما قيل وكتب، ومن المؤكد سيقال ويكتب، إيجابا أو سلبا، فيكفي محمد حسنين هيكل أنه في خضم التقلبات العربية وحالة الانهيار السياسي والاجتماعي التي تعيشها الشعوب العربية وانخفاض مستوى الوعي الوطني والقومي وتدني مستوى الشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه القضايا الجوهرية العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، فإنّ محمد حسنين هيكل بقي أمينا مخلصا لمبادئه القومية وقناعاته الفكرية والسياسية، وأبى أن يستسلم للموجة العاتية من الانحدار والانهيار العربي، أو أن يتلوث فكره وقلمه باللوثة الطائفية التي تمزق الشعوب العربية في الوقت الراهن إذ ظل هيكل محاربا قويا وعنيدا في وجه هذه الآفة الخطيرة، لهذا لم يبع قلمه إلى أحد أبدا.
من الطبيعي أن يتحلى محمد حسنين هيكل بهذه السمات الوطنية والقومية العالية، فهو ترعرع وكبر، قوميا وسياسيا وفكريا، في كنف حقبة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وكان هيكل أحد أقرب المقربين من الزعيم وارتبط معه بعلاقات عميقة وقوية، وعايش سنوات النهوض الوطني والقومي فشهد كيف استطاع عبدالناصر الصمود في وجه مختلف المؤامرات الإقليمية والدولية التي استهدفت مشروع النهوض الوطني والقومي الذي قاده جمال عبدالناصر، فاكتشف هيكل أن أهم أسرار قدرة عبدالناصر على الصمود هو تمسكه بالمبادئ الوطنية والقومية التي آمن بها وتطوع من أجل الدفاع عنها رافضا أن يحني رأسه أو أن يتخلى عنها، فلا غرابة إذن من أن يتمسك هيكل بالسير على خطى عبدالناصر في علاقته بمبادئه الوطنية والقومية.
سوف تحتاج الساحة الصحفية والسياسية والفكرية العربية إلى عقود طويلة من الزمن كي تتمكن سد الفراغ الذي تركه رحيل الأستاذ أو القدرة على تعويض خسارة بحجم خسارة محمد حسنين هيكل، فأرحام التاريخ لا تحمل كثيرا بالعظماء والكبار، فهي لا تنجب منهم إلا القليل وعلى فترات متباعدة جدا، هذا ما تؤكده صفحات التاريخ منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا، هذه حقيقة مؤكدة لا يملك أحد آلية تغييرها أو تعديل مسار أحداثها، وبالتالي فإنّ الشيء المهم هنا هو الاستفادة من إرث العظماء من خلال التشخيص الدقيق له والغوص فيه والنهل من كنوزهم الفكرية والثقافية والعلمية التي خلفوها.
لا شك أن الراحل الكبير واحد من هؤلاء وقد ترك إرثا من النادر جدا أن تجد ما يضاهيه في مجال الحقل الذي زرع فيه بذور مهنته طوال أكثر من سبعة عقود من العمل المتواصل، خلال هذه العقود السبعة استطاع هيكل أن يكون كنزا ثمينا من النفائس الفكرية والسياسية التي كان يفترض أن تسخر للاستفادة منها في مثل هذه الظروف التي نمر بها، وهي الظروف التي طالما حذر هيكل من تداعياتها على الأمن القومي العربي ومن تأثيراتها على مستقبل جميع الشعوب العربية دون استثناء.
في هذه الأوضاع الصعبة والدقيقة التي تمر بها المنطقة العربية وما يتعرض له عدد من بلدانها من مؤامرات خطيرة تستهدف كيانها الوطني، فهي بحاجة ماسة إلى مثل هذه العقول النيرة القادرة على تقديم خبراتها الفكرية والسياسية وإنارة الطريق أمام صناع القرار في دولنا العربية لتجاوز الأخطار المحدقة بمنطقتنا، فنحن فعلا الآن في حاجة إلى مثل الراحل الكبير صاحب الإمكانيات والقدرة على القيام بمثل هذا الدور نظرًا إلى تجربته العملية في مواجهة الكثير من التحديات والأخطار التي واجهت الدول العربية في العقود الماضية، وما امتلكه من خبرة خلال سنوات قربه من الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//