العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الأســـتــاذ.. وداعـــا



برحيل الصحفي والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل تكون الصحافة العربية قد فقدت أهم وأكبر رموزها على الإطلاق على امتداد تاريخها الطويل.
«الأستاذ» هو اللقب الذي عرف به هيكل دوما. وهو لقب يلخص بالفعل مكانته ودوره في عالم الصحافة والكتابة.
على امتداد تاريخه الصحفي، كان هيكل دوما أستاذا بالفعل في كل أدواره التي لعبها والإسهامات التي قدمها، سواء تعلق الأمر بمهنة الصحافة، أو بالفكر الصحفي والسياسي، أو بالدور العام للصحفي والكاتب.
قبل كل شيء، كان هيكل نموذجا إنسانيا فذا للإرادة والإصرار والقدرة على التعلم المستمر ومواكبة العصر والتطور مهنيا وفكريا. فقد بدأ حياته الصحفية محررا صغيرا حصل على شهادة متوسطة، لكنه استطاع أن يصل عبر السنين إلى ما وصل إليه من مكانة في عالم الصحافة والكتابة والسياسة، وظل على امتداد أكثر من سبعين عاما يمارس عمله في الصحافة والكتابة بنفس الحماس والإصرار والمقدرة على الإنجاز.
كان دور هيكل في تطوير مهنة الصحافة دورا تاريخيا هائلا. مارس هذا الدور عبر عمله الصحفي الذي حقق فيه إنجازات مشهودة معروفة عبر عقود طويلة، وعبر قيادته لعديد من المؤسسات الصحفية المصرية.
وتظل تجربته في قيادة جريدة«الأهرام» المصرية التجربة الأكبر في تاريخه والأكثر تجسيدا لدوره في الارتقاء بمهنة الصحافة.
لقد استطاع هيكل أن يجعل من «الأهرام» أكبر مؤسسة صحفية عربية رائدة حديثة تحظى بالاحترام والتقدير في العالم كله. نقل هيكل «الأهرام» ومنذ وقت مبكر إلى عالم الصحافة الحديثة.
وتتلمذ على يد هيكل عشرات الآلاف من الصحفيين المصريين، إما مباشرة من الذين عملوا معه، أو الذين تتلمذوا على يديه بشكل غير مباشر متأثرين بمدرسته في الصحافة والكتابة.
حين انضممت إلى مؤسسة الأهرام في أواخر سبعينيات القرن الماضي وكان هيكل قد تركها بقرار من الرئيس السادات، وعلى الرغم منه كان مغضوبا عليه من السادات في ذلك الوقت، كانت بصماته موجودة في كل ما في الأهرام، وكان الكل في المؤسسة يعتبرون أنفسهم تلامذته ويعتبرونه الأب الروحي ويسيرون على نهج مدرسته.
وعلى مستوى مهنة الصحافة أيضا، يعود الفضل إلى هيكل في أنه دفع بالتحليل السياسي إلى مقدمة الاهتمامات الصحفية، ولا شك أنه يعتبر رائدا للتحليل السياسي الصحفي الحديث في الوطن العربي.
على امتداد عقود، كانت كتابات هيكل وتحليلاته مصدرا رئيسيا لتشكيل الرأي العام في مصر. كان القراء ينتظرون بشغف كل أسبوع مقاله الشهير «بصراحة» باعتباره مصدرا للمعلومات، ومصدرا للآراء والتحليلات السياسية التي لا بد من التوقف عندها مطولا.
وهيكل يعود إليه الفضل في أنه تنبه ومنذ وقت مبكر إلى الأهمية الحاسمة لأن يتأسس العمل الصحفي والفكري والسياسي على الدراسة والبحث والمعلومات والتحليلات العلمية الهادئة الرصينة.
فكان قراره بإنشاء مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام من أهم وأكبر إنجازاته الرائدة في هذا المجال.
هذا المركز، الذي تشرفت بالعمل باحثا فيه، لعب دورا هائلا، ولا يزال، في الحياة الصحفية والفكرية والسياسية في مصر. وكان للمركز، بالإضافة لدوره التنويري العام، في أوقات كثيرة دور مهم في ترشيد السياسات العامة.
ولا ينسى تاريخ الفكر والثقافة والتنوير في مصر والوطن العربي لهيكل دوره التاريخي حين حوّل «الأهرام» إلى معقل لكبار المفكرين والمثقفين المبدعين ، وفتح لهم صفحات الجريدة كي يبدعوا.
كان أمرا مذهلا أن يجتمع في الدور السادس بمبنى الأهرام وفي نفس الوقت مبدعون ومفكرون كبار مثل، نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وتوفيق الحكيم، ولويس عوض، ولطفي الخولي، ومحمد سيد أحمد، وثروت أباظة، وزكي نجيب محمود، وحسين مؤنس، وغيرهم.
عبر صفحات الأهرام، ملأ هؤلاء الكبار الحياة الثقافية والفكرية إبداعا وتنويرا، والفضل يعود إلى هيكل.
أما عن علاقات هيكل بالرؤساء ودوره السياسي المباشر الذي لعبه عبر مسيرته، فقد اختلفت حوله الآراء وتعددت. لكن الأمر الذي يجب تسجيله هنا هو أن علاقات هيكل بالرؤساء وكبار المسؤولين لم تكن في يوم من الأيام علاقات تبعية أو تنفيذ للأوامر. تعامل هيكل مع الرؤساء من موقع المستقل، ومن موقع الصحفي والكاتب الذي يقدم المعلومات والرؤية التحليلية والنصائح من وجهة نظره.
وقد كان أحد أسباب علاقته الوثيقة بالزعيم جمال عبدالناصر مثلا أنه كان يقدم لعبدالناصر وبشكل يومي صورة عما يجري في العالم ومعلومات عن مختلف التطورات والقضايا والمواقف.
والحقيقة أن هيكل قدم هنا نموذجا لكيف تجب أن تكون علاقة الصحفي والكاتب بمن هم في موقع المسؤولية.
على امتداد مسيرة هيكل الطويلة في الصحافة والكتابة والسياسية، لطالما اختلف معه الكثيرون حول مواقفه ورؤاه وأدواره، والبعض دخلوا معه في معارك مفتوحة.
ومع هذا، فقد أجمع الكل على الدوام، سواء الذين اختلفوا أو اتفقوا معه، على أنه «الأستاذ»، الذي له التقدير والاحترام، والذي لا يمكن تجاوز مواقفه وآرائه أو المرور عليها مرور الكرام.
رحم الله أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل وأسكنه فسيح جناته لقاء ما قدمه لمصر والأمة العربية، ولعالم الصحافة والكتابة والسياسة من إنجازات وإسهامات تربت عليه وتتلمذت أجيال وراء أجيال.







إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

aak_news