العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

السياسة الأمريكية لا يحددها الأشخاص



خلال السباق المحموم على كرسي البيت الأبيض يتسابق مرشحو الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية على إظهار عيوب ونواقص وأخطاء منافسيهم في الانتخابات، بل والرؤساء السابقين حتى لو كانوا من نفس الحزب الذي يمثله هذا المرشح أو ذاك، فليس هناك مبادئ تحكم عمل هؤلاء المرشحين وسياساتهم في حالة فوزهم بالكرسي الرئاسي، فالخطوات المستقبلية تحددها مصالح رأس المال الأمريكي المتحكم في مؤشر بوصلة هذه السياسة، سواء على المستويين المحلي أم الخارجي، ومع ذلك فإنّ صراع المرشحين وما يكشفون عنه من «الخايس والخنين» في السياسة الأمريكية يؤكد مواقف النقد والإدانة التي تصدر عن مختلف الجهات الإقليمية والدولية لتصرفات الإدارات الأمريكية ومواقفها العدوانية من حقوق الشعوب في مختلف قارات العالم.
أثناء المناظرة التي جرت السبت الماضي بين المرشحين عن الحزب الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب وجيب بوش (الأخ الأصغر للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش)، قال ترامب «إن الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة عن الفوضى في الشرق الأوسط، وإن غزوها للعراق خطأ فادح ارتكبه جورج بوش» ثم أضاف قائلا: «لقد كذبوا علينا حين قالوا إن هناك اسلحة دمار شامل ولكن لم تكن هناك أي أسلحة وكانوا يعرفون ذلك»، وما قاله المرشح الأمريكي ليس سوى قطرة في بحر من التصرفات والأعمال الأمريكية الخطيرة التي تسببت في تدمير دول بأكملها مثل العراق بالدرجة الأولى التي دشن فيها جورج بوش الابن سياسة الفوضى الخلاقة التي بشرت بها وزيرة خارجيته آنذاك كونداليزا رايس.
ما قاله مرشح الرئاسة الأمريكية ليس جديدا بالنسبة إلينا وللعديد من دول وشعوب العالم، حتى صناع القرار في الإدارة الأمريكية يعرفون هذه الحقيقة جيدا، وهم على دراية تامة بأكاذيب اسلحة الدمار الشامل العراقية، لكن جوهر المسألة لا يتعلق بهذه الأسلحة أو غيرها من القضايا، مثل «ديكتاتورية نظام صدام حسين» أو «حقوق الشعب العراقي المنتهكة» وغير ذلك من الحجج التي تسوقها آلة الدعاية الأمريكية، وإنما يتعلق بأهداف ذات ارتباط عضوي واستراتيجي بالمصالح الأمريكية في المنطقة وما تسببه بعض الأنظمة السياسية الحاكمة فيها من مشاغبات ومناوشات وعرقلة لتنفيذ وتطبيق هذه السياسة.
هذا الانتقاد الذي وجهه المرشح دونالد ترامب لسياسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن لا يرقى إلى مستوى الاعتراف المبني على مبادئ أو مراجعة صريحة لمواقف بلاده التي تسببت في تدمير مستقبل العديد من شعوب منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الشعب العراقي، وإنما مرد هذا الكلام هو الصراع الانتخابي الذي تشهده الساحة الأمريكية في الوقت الراهن، فالمرشح نفسه لو كان محل الرئيس السابق جورج بوش الابن لأقدم على نفس التصرف ولنفذ جريمة غزو العراق وقدم أكذوبة «أسلحة الدمار الشامل» على أنها حقيقة لا تشوبها أية شائبة، ولواصل السياسة العدوانية الأمريكية حيال القضايا المصيرية للشعوب، فالمرشح هو جزء من النظام الأمريكي الذي دون في سجلات التاريخ الإنساني جرائم لا مثيل لها.
فالإدارة الأمريكية الحالية التي تمثل الحزب الديمقراطي الأمريكي التي انتقدت هي أيضا السياسة الأمريكية التي قادت إلى غزو العراق وتعهدت بسحب القوات الأمريكية من هذا البلد، هي نفسها لم تنحرف عن تمثيل السياسة العدوانية حيال قضايا إنسانية أخرى، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني التي تبقى وصمة عار في جبين جميع الإدارات الأمريكية باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة عن سياسة «الأبارتيد» التي ينفذها الكيان الصهيوني وهي التي تقدم الدعم والغطاء السياسي والمادي والعسكري لهذه السياسة الإجرامية المستمرة على مدى أكثر من ستة عقود.
المرشح الرئاسي الأمريكي الذي تجرأ على انتقاد سياسة بلاده في الشرق الأوسط واعتبرها مسؤولة عن الفوضى التي تعم المنطقة حاليا، نسى أن فلسطين هي الأخرى جزء من المنطقة وأن القضية الفلسطينية تعتبر أقدم قضية شعب يعيش في الشتات، بل هو الشعب الوحيد على وجه المعمورة الذي يعاني حالة التشتت والعيش مشردا في كافة بقاع العالم، ومع ذلك ترفض الولايات المتحدة الأمريكية استخدام أوراق الضغط الكبيرة التي بيدها لإجبار قادة الكيان الصهيوني على وضع حد لهذه الحالة الإنسانية غير العادلة، ثم إن المرشح نفسه لم يطلق كلمة واحدة خلال المناظرة عن القضية الفلسطينية، لأنّ ذلك باختصار لا يخدم طموحه الرئاسي.
فما يتبادله المتنافسون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية من نعوت وانتقادات لسياسة الإدارة الأمريكية، هو جزء من اللعبة الانتخابية لكنه مفيد في تأكيد صحة ما يوجه إلى هذه السياسة من انتقادات ومن مسؤوليتها عن الأضرار الفادحة التي تسببت فيها في أكثر من منطقة، أما بالنسبة إلينا في الوطن العربي فإنّ أضرار هذه السياسة لا تزال مستمرة، بل إن منطقتنا العربية هي ضحية تطبيق ما يسمى «الفوضى الخلاقة» الأمريكية، فما اقترفته أمريكا بحق شعوبنا العربية أكبر من أن يوصف بالأخطاء، فهي جرائم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هذا هو الوصف الوحيد الذي تستحقه هذه «الأخطاء».







إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//