العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

تاريخ إيران السُّنية.. «تسعة قرون من الزمان»

بقلم: علاء إبراهيم حبيب j

الأربعاء ١٧ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



عرف الفرس الإسلام عندما أرسل الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام رسالة إلى كسرى يدعوه فيها إلى دين الحق ولكنه أبى واستكبر وفضّل البقاء على الشرك، وفي عام 13هـ بدأ المسلمون بفتح بلاد فارس في عهد الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الملقب بالفاروق لعدله وبالتحديد في عام 21هـ حقق المسلمون انتصارا عظيمًا في معركة «نهاوند» التي سميت بفتح الفتوح، وذلك لأنّ الدولة الساسانية المجوسية لم تقم لها قائمة بعدها، ثم واصل جيش المسلمون باقي الفتوحات حتى فتحت البلاد بأكملها في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبذلك أصبحت بلاد فارس من ديار المسلمين وظلت سُنية طيلة تسعة عقود من الزمان.
انتشر الإسلام في ربوع إيران انتشارا سريعًا وخاصة بعد مقتل يزدجر الثالث في موقعة نهاوند، وقد نفر حينها الفرس المسلمون من كل ما يمت بصلة إلى الحقبة المجوسية وذابوا في الحضارة الإسلامية التي لا تفرق بين لون ولون وجنس وجنس إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقد قال المولى عز وجل في سورة الحجرات الآية (13) {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
تأتي هذه الدراسة التاريخية التحليلية التي تحمل عنوان «إيران السُّنية» لتبين كيف أن بلاد فارس ظلت سنية في ظل الحكم العربي وحتى بعد أن سيطر عليها المغول إلى أن أعلن إسماعيل الصفوي قيام الدولة الصفوية في أذربيجان عام 906هـ وأن الدولة أصبحت شيعية معلنًا في الوقت نفسه الحرب على أهل السنة والجماعة.
وتلقي الدراسة الضوء على إيران في العهدين «الأموي والعباسي»، ظهور الدول الفارسية السنية شبه المستقلة، الدول التركية السنية، دولة المغول السُّنية وقيام الدولة الصفوية الشيعية.
وتعتمد هذه الدراسة على المنهج التاريخي الاستردادي الذي يقوم على استرداد التاريخ واكتشاف حلول للمشاكل الجارية على ضوء ما تم في الماضي، حتى يتسنى لنا وضع خطط مستقبلية مبنية على نتائج البحث العلمي، وعليه فقد خضعت المعلومات التاريخية للنقد والتحليل.
وقبل المواصلة في استعراض الدراسة لا بد لنا من تعريف بعض مصطلحات البحث التي تسهل على الفهم:
- «بلاد فارس»: إيران كانت تسمى بهذا الاسم إلى أن بدأ عهد الأسرة البهلوية في عام 1343هـ/1925م.
- «إيراني»: تطلق على كل من يعيش ضمن النطاق الجغرافي لإيران.
- «فارسي»: نقصد بها من ينتمون إلى العرق الفارسي على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم.
إيران السُّنية في العهدين «الأموي والعباسي»:
أحدث المسلمون ثورة اجتماعية ودينية في إيران تمخض عنها نشوء مجتمع جديد مبني على تعاليم الدين الإسلامي الذي يدعو إلى المساواة والعدل، وهو الأمر الذي دفع حينها الفرس إلى مشاركة إخوانهم العرب في الفتوحات الإسلامية، وعندما قامت الدولة الأموية عام (41هــ– 132هــ) خضعت جميع الأمصار المفتوحة لسلطتها حيث قامت بتقسيمها إلى أقاليم وعينت على كل منها حاكم، وفي عهد أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان بن الحكم تم تعريب الدواوين وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية في إيران.
ولكن المفارقة الغريبة هي أن الفرس قد ساهموا فيما بعد بشكل كبير في سقوط الدولة الأموية ومساعدة الدولة العباسية في القيام على أنقاضها، ويرى بعض المؤرخين أن السبب الرئيسي الذي دفع الإيرانيين إلى خيانة الدولة الأموية هو أن الأمويين فضلوا العرب على باقي الأعراق الأخرى، في المقابل يرى آخرون عدم صحة هذه النظرية معتمدين على تحليل الأحداث التي جرت فيما بعد، فقد قَدمت الدولة العباسية العنصر الفارسي على العنصر العربي إلا أنهم خانوها هي الأخرى، والسبب وراء هذا التفضيل يرجع إلى أن دولتهم قد قامت على أكتافهم، بل إن الرعيل الأول من الفرس في الدولة العباسية وفي مقدمتهم القائد العسكري الفارسي القادم من خراسان والملقب بأبي مسلم كانت لهم تطلعات لكرسي الحكم، وقد أدت تطلعاته إلى مقتله على يد أبي جعفر المنصور، ولكن هذا الأمر لم يمنع الخلفاء العباسيين من مواصلة الاعتماد على العناصر الفارسية في إدارة شؤون الدولة حيث وصل نفوذهم بها أن مكنهم من القضاء عليها فيما بعد.
مما ذكر أعلاه لا بد لنا من التنبيه على أن الباحث في نشأة الدول لا بدَّ له أن يرجع بنظره إلى الأسباب الأكثر بعدًا في سقوط الدولة التي قامت على أنقاضها دولة أخرى وأن يفرق بين الأسباب المباشرة والأسباب الرئيسية، فالأسباب المباشرة على ظاهرها قد لا تشير إلى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى سقوط دولة ما.
إذن ما هو السبب الذي يقف وراء هذه الخيانة إن استبعدنا ما سبق ذكره؟ السبب يرجع إلى كره الفرس للعرب، فهم متى ما سنحت لهم الفرصة نالوا من الأمويين وارتموا في أحضان الدولة العباسية التي ما لبثوا أن خانوها هي الأخرى، ويؤكد المؤرخون أن كره الفرس للعرب قديم ويعود إلى حقبة ما قبل الميلاد ومن أسبابه:
- الشعور بالنقص إزاء المستوى الحضاري العظيم للأمة العربية حيث إنَّ الفرس أخذوا موقعهم كمتلقين للحضارة لا صانعين لها.
- فشل الفرس في ابتكار أحرف للكتابة، فاللغة الفارسية تكتب بالحرف العربي!
- البحوث والدراسات التي أجريت على اللغة الفارسية توصلت إلى أن 60% من اللغة الفارسية مفردات عربية!
- يعد الفرس الفتح الإسلامي غزوًا، بل إن قاتل الخليفة عمر بن الخطاب (أبو لؤلؤة المجوسي) له مقام ومزار في وسط طهران وشارع باسمه وساحة باسمه!!!
ومن الملاحظ أن حركات التمرد ضد الدولة العباسية قد ظهرت في الأماكن البعيدة عن مركز الخلافة حيث كان النفوذ العربي فيها ضعيفا، لذا فإنّ البيئة كانت مناسبة للثورة على العرب.
ومن الأدلة الدامغة على صحة هذه النظرية ظهور ما يسمى بالحركة الشعوبية التي ظهرت بوادرها في عصر دولة بني أمية، إلا أنها ظهرت للعيان في بدايات العصر العباسي، ويقول عنها القرطبي إنها حركة تبغض العرب وتفضل العجم، كما قال عنها الزمخشري إنها حركة من يصغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلاً على غيرهم، في حين تعرف الموسوعة البريطانية الشعوبية بأنها كل اتجاه مناوئ للعروبة.
وفي دراسة بعنوان «الشعوبية في الشعر العربي أهدافها ونشأتها» للباحث عثمان محمد العبادلة نشرتها مجلة جامعة الأزهر – غزة بتاريخ 2000م أوضحت أن الشعوبية سلكت سبلاً متعددة بين ظاهر ومستور، وكلها لها أثرها وخطرها، فهي تريد أن تربك العقائد، وتشوه المفاهيم الإسلامية لتزعزع قاعدة المجتمع وأساسه.
بالإضافة إلى أن تصفية أمير المؤمنين هارون الرشيد للبرامكة الفرس تأكيد إضافي على صحة هذه النظرية، وقد قال عنهم ابن خلدون في مقدمته إن نكبتهم كانت بسبب استبدادهم على الدولة واحتجابهم لأموال الجباية، حتى أن هارون الرشيد كان يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه، وأضاف ابن خلدون أنهم غلبوا الرشيد على أمره وشاركوه في سلطانه وأنه لم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه.
في حين أن الدكتور عبدالجبار الجومرد قد أكّد في كتابه «هارون الرشيد» أن الرشيد لم يكن غافلاً عن أعمال البرامكة التي توجب محاسبتهم، ولكنه أغمض عينيه فترة غير قصيرة عنهم، وفاء لخدماتهم، وأملاً في أن يعودوا إلى رشدهم، ولكن أمرهم تفاقم والنعرة الفارسية والشعوبية تكالبت على قوميته، كما أنهم زرعوا الحقد بين الأمين والمأمون بما يهدد مستقبل الخلافة.
وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تبرئه الرشيد وبيته من الإشاعات التي أطلقها البرامكة والحاسدون حيث ابتدعوا قصة أخته العباسة وزواجها المزعوم من جعفر البرمكي، وقد أثبت المؤرخون أن هذه القصة موضوعة وأن الغرض منها تشويه بيت الرشيد، ومن المؤسف أن نرى بعض الباحثين من يردد هذه الإشاعات من دون الرجوع إلى المصادر التاريخية الصحيحة، كما يجب الانتباه إلى أن كثيرا من المستشرقين عمدوا إلى تشويه صورة الرشيد الذي ذاع صيته في زمانه في محاولة للنيل من إنجازات عصره، هذا بالإضافة إلى أن الفرس قد ساهموا بشكل كبير في نشر تلك الإشاعات.
إيران في ظل الدول
الفارسية السنية شبه المستقلة:
لقد تحقق للفرس فعلاً تكوين دول شبه مستقلة خلال فترة الحكم العباسي، حيث أدى الصراع الذي أحدثوه داخل بيت الخلافة بين الأمين والمأمون «194هـ -198هـ» إلى إضعاف السلطة المركزية في بغداد وسيطرة الجند على مقاليد الأمور وحينها أخذت الولايات الفارسية بالانفصال إلا أن الصبغة السنية ظلت هي الغالبة على مظاهر النشاط البشري في إيران.
وقد ظهرت الدولة الطاهرية في خراسان «205هـ -259هـ»، والصفارية في سجستان «253هـ -297هـ» والسامانية في خراسان وما وراء النهر 261هـ-389هـ «إلا أن حكام هذه الدول كما أكّد الدكتور عبدالنعيم حسنين في دراسته التي تحمل عنوان «إيران في ظل الإسلام في العصور السنية والشيعية» أنهم كانوا يدينون بالولاء شكليًّا للخليفة العباسي اعتقادا منهم أن هذا الأمر يعطيهم صفة الشرعية لمزاولة الحكم حيث كان يعد أميرا على المؤمنين.
وتذكر المصادر التاريخية أن الفرس قد أحيوا في دولهم الكثير من مظاهر الحضارة الفارسية القديمة، ولكن المهم هنا هو أن نعلم أنه متى ما تم للفرس الانفراد بالقرار استحضروا العصبية القومية وبعض عادات أيام ماني وزرادشت وإن كانت إيران قد بقيت سنية حتى تلك اللحظة.
كما أن الفرس عندما استشعروا ضعف الخلافة العباسية وحاجة الخليفة لهم ووثوقه بهم سارعوا إلى الانفصال عن جسد الخلافة، فقد أسند الخليفة المأمون أمر إقليم خراسان إلى طاهر بن الحسين وهو الذي انتهز الفرصة لإقامة الدولة الطاهرية والتي قامت الدولة السامانية على انقاضها فيما بعد.
إيران في ظل حكم
الدول التركية السنية:
تعاظم نفوذ الأتراك في الدولة العباسية تعاظمًا كبيرًا وامتد عصر نفوذهم إلى ما يزيد على قرن من الزمان وكان أول من استخدمهم هو الخليفة المأمون فلما تولى الخليفة المعتصم سدة الحكم عام218 هـ اعتمد على العنصر التركي بشكل أساسي في الجيش وتطورت الأمور حتى أصبح الأتراك يعزلون ويعينون الخلفاء في الدولة العباسية وحينما قامت الدول الفارسية السنية في إيران استخدموا أيضًا العنصر التركي والذي كان بدوره عاملا مساعدًا على تقوية الصبغة السنية في المنطقة، وسرعان ما قام الأتراك بتأسيس دول سنية في إيران، وكانت أول دولة معروفة لهم هي الدولة الغزنوية: يقول الدكتور علي الصلابي في كتابه: (دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي) الصادر عن مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1427 هـ -2006م إن الدولة الغزنوية أخذت اسمها من مدينة غزنة (مدينة عظيمة وهي الحد بين خراسان والهند وقصبة زابلستان، والغزنويون سلالة من أصل تركي)، وكانت عاصمة لدولتهم، ويرجع ظهور هذه الدولة إلى أحد القادة المسلمين المسمى «سبكتكين»، والذي يقول عنه «د. عبدالنعيم حسنين-مصدر سابق» إنه كان عبدًا من مماليك السامانيين الذين التحقوا بجيشهم ثم استطاع أن يصير من قوادهم وأن يصبح حاكمًا على خراسان سنة 349هـ ثم تمكن من بسط نفوذه على إقليم أفغانستان في سنة 351هـ حيث أعلن تأسيس الدولة الجديدة، وقد بلغت هذه الدولة أوج قوتها في عهد السلطان محمود الغزنوي، وهو الذي انتبه إلى أن من تشيع من الفرس حينها إنما أراد مخالفة الدولة العباسية وضمان عدم حصولها على اتباع من الإيرانيين حيث عكفوا حينها على إحياء الحضارة الإيرانية القديمة ومزجها مع الإسلام، وقد تصدى السلطان محمود للشيعة في إيران وقتها وكان يعد التشيع بمثابة التهمة، ولم يحظ السلطان محمود بحب الإيرانيين لثباته على العقيدة السنية ولسعيه إلى القضاء على مظاهر الحضارة الإيرانية القديمة التي أحياها السامانيون.
إيران في ظل حكم
الأتراك السُّنة السلاجقة:
بالرغم من أن عصر السلطان محمود الغزنوي كان عصر قوة فإنّ الأتراك السلاجقة استطاعوا في أواخر عصره الحصول على موطئ قدم لهم في خراسان، حتى تسنى لهم في عهد ابنه السيطرة على الإقليم برمته وإعلان قيام الدولة السلجوقية.
وما يهمنا هنا هو أن الأتراك السلاجقة كانوا يتبعون مذهب أهل السنة والجماعة وكانوا يدعون للخليفة العباسي على المنابر وسعوا بكل ما في وسعهم من قوة إلى توحيد بلاد الإسلام ونبذ كل ما علق بالإسلام من شوائب وبدع لدرجة انهم اعتبروا الشيعة الاسماعيلية من الخارجين عن الإسلام، كما كانت مجالسهم عامرة بعلماء أهل السنة والجماعة وهو الأمر الذي أكّده المؤلف حسن إبراهيم حسن في كتابه «تاريخ الإسلام».
واستمر الحال هكذا حتى أخذت الدولة تضعف إلى أن سقطت عام 590هـ على يد الخوارزميين.
إيران في ظل حكم
الدولة الخوارزمية السُّنية:
قامت الدولة الخوارزمية على أنقاض الدولة السلجوقية وأخذت في الازدهار وخاصة في عهد السلطان علاء الدين شاه، وبقيت الصبغة السنية هي السائدة على مظاهر الحياة في الإقليم، واستمرت الدولة في الازدهار والاتساع وقد تزامن ذلك مع ظهور (المغول) وبروز دولتهم على يد (تيموجين) المعروف (بجنكيز خان) الذي نجح في توحيد قبائل المغول والتتار والسيطرة عليها وقد أسقط في عام 628هـ الدولة الخوارزمية في حين تمكن من القضاء على الدولة العباسية عام 656هـ بمساعدة وزير الخليفة المستعصم (ابن العلقمي الفارسي) الذي كرس حياته كلها للتخطيط لإسقاط الخلافة الإسلامية والذي تعد خيانته من أكبر الخيانات في تاريخ الأمة الإسلامية، فقد عمل على إضعاف الجيش وراسل المغول وأعلمهم بمواطن الضعف في الخلافة وعمد على تثبيط عزيمة المسلمين ونهاهم عن قتال المغول، وقد أكّد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر في منهاج السنة النبوية، ولم يكتف العلقمي بهذا الأمر بل أشار على الخليفة بالخروج للقاء هولاكو لحقن دماء المسلمين وبذلك تسنى قتل آخر خليفة عباسي.
وهنا لا بد لنا من وقفة سريعة مع كتاب المؤلفة العراقية سهيلة الحسيني(الحروب الصليبية/ مواقف وتحديات) حيث أكّدت أن الخائن ابن العلقمي قد أذله المغول فيما بعد وعاش أيامه منبوذًا حتى أن امرأة عراقية سخرت منه وقالت له: يا بن العلقمي أهكذا كان يعاملك بنو العباس؟
كما أن خيانة نصير الدين الطوسي الفارسي الشيعي وهو المعاصر لابن العلقمي، لا تقل عن خيانة الأخير، فالرجل كان قد اشتهر بالعلم إلا أن خيانته للإسلام والتي جاهر بها طغت على سيرته حيث تآمر مع المغول، وقال عنه المؤرخون إنه جاء في طليعة موكب السفاح هولاكو، وأشرف معه على إباحة الذبح العام في رقاب المسلمين والمسلمات، ورضي بإغراق كتب العلوم الإسلامية في دجلة، ومنها كتب التاريخ والأدب واللغة والشعر والحكمة، فضلاً عن كتب العلوم الشرعية ومصنفات أئمة السلف من الرعيل الأول، التي كانت موجودة بكثرة إلى ذلك الحين.
من خلال دراسة التاريخ يتضح لنا أن الفرس لطالما سعوا إلى تصفية العناصر العربية متى ما سنحت لهم الفرصة، وأن كرهم وحقدهم على العرب قديم وأن تدخلاتهم في المنطقة العربية وإثارتهم للفتن في ربوعها ومحاولتهم تفكيها يرجع إلى هذا السبب، وما يحدث في العراق اليوم من ممارسات الحشد الشعبي الشيعي الموالي لإيران والمليشيات الشيعية، وجرائم الحرس الثوري وحزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية في سوريا وجرائم الحوثي في اليمن وجرائم جنود الاحتلال الإيراني في القطرين العربيين «الأحواز وبلوشستان» دليل دامغ على صحة هذا القول واستمراريته، وقد يتساءل البعض عن كيف يمكن لهذا الأمر أن يكون وفي بعض الجماعات والتنظيمات التي تم ذكرها عناصر عربية؟ الجواب هو أن الفرس يعلمون بأن العرب لن يرضوا بالخضوع لهم لذا فقد استخدموا سلاح الطائفية لتنفيذ مخططهم في هذا الزمان، فالسلاح تغير إلا أن الغاية ظلت كما هي، بالإضافة إلى أن الإيرانيين مكنوا للعناصر الشيعية التي تنحدر من أصول إيرانية من القيادة، لذا فإنّ أغلب القادة الشيعة في المنطقة العربية من أصول فارسية والسبب في عدم معارضة العناصر العربية لهذا لأمر يرجع إلى المخاوف التي زرعها النظام الإيراني داخل نفوس الشيعة العرب والتي جعلت من السهل انصياعهم وانقيادهم لأوامرها، بل إن هذا الأمر قد دفع العديد منهم إلى خيانة أوطانهم والتآمر مع الإيرانيين.
دولة المغول السُّنية في إيران:
استقر المغول بعد سقوط الخلافة العباسية في إيران، وقد انبهروا حينها بالحضارة الإسلامية لدرجة أن هولاكو عهد إلى مرب مسلم بتربية ابنه تكودار الذي يعد أول من أسلم من أسرة هولاكو وقد تسمى فيما بعد باسم أحمد، ولم يمض كثير من الوقت حتى دخل المغول في الإسلام، وهنا لا بد لنا من وقفة مع شيخ الإسلام ابن تيمية بخصوص إسلام المغول وهو الذي عاصرهم، حيث يرى ابن تيمية ان إسلامهم كان اسميًّا فقط، بل انه أفتى بكفر فئاتهم التي لم تعمل بالإسلام وقد أيده في ذلك كثير من محققي العلماء والفقهاء في عصرهم ويمكن الرجوع في هذا الشأن إلى كتاب النهاية والبداية لشيخ الإسلام، ولكن تبقى الفائدة هنا أن إيران ظلت سنية حتى بعد أن آلت الأمور للتيموريين الأتراك، وهو الأمر الذي يفند القول إن مربي ابن هولاكو كان من الشيعة الفرس.
قيام الدولة الصفوية
الشيعية في إيران:
ظلت إيران سنية على ظاهرها إلى أن قامت الدولة الصفوية معلنة أن إيران أصبحت دولة شيعية، وقد أراد إسماعيل الصفوي حينها من وراء هذا الإعلان إحياء العصبية الفارسية لدى الإيرانيين فهو حتى لم يقم المذهب الشيعي كما هو بل أحدث فيه غلوا كبيرا وألصق به خرافات عديدة وممارسات مستوحاة من ديانات أخرى.
وبذلك انتهت تسعة قرون من الزمان ظلت خلالها إيران على مذهب السلف الصالح وتحولت إلى التشيع تحت التهديد والتخويف والقتل والسجن وإن كان بعض الباحثين من يرى أن الإسلام لدى الفرس قبل قيام الدولة الصفوية كان صوريًّا فقط وأن مظاهر الحضارة الفارسية القديمة أصبحت ظاهرة في الحياة العامة بشكل كبير وهو الأمر الذي استغله مؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي في صراعه مع العثمانيين، حيث إنَّ تحول إيران إلى التشيع من شأنه أن يحرم خصومة من تكوين طابور خامس من السنة في الداخل الإيراني، والحقيقة أن هذا الأمر مازال يؤرق الفرس إلى يومنا هذا، حيث أصبحت إيران بحسب التقارير الحقوقية الدولية والمحلية تأتي في المرتبة الثانية بعد الصين في عدد حالات الإعدام معظمها من السنة وهي تعتبر في الوقت الحالي العدو الأول لدول الخليج العربي حيث تسعى إلى إثارة الفتن في ربوع الوطن العربي لخلق بؤر متوترة يسهل التغلغل من خلالها وذلك من أجل تمرير مشروعها التوسعي الخبيث في المنطقة.
وقد توصلت الدراسة إلى أن حقد الفرس على العرب هو ما دفعهم إلى الإقدام على هذا الكم الهائل من الخيانات خلال فترة خضوعهم للحكم العربي عبر التاريخ، كما أنهم يعتبرون الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس بمثابة الغزو وأن قادتها أعداء!!
وبالمقارنة بالشعوب الأخرى التي فتحها المسلمون ومساهمتها في نشر الإسلام والمشاركة في الفتوحات الإسلامية فقد توصلت الدراسة إلى أن الفرس عندما سنحت لهم الفرصة شاركوا في القضاء على الإرث الفكري للمسلمين وما حدث في بغداد عام 656هـ خير دليل على ذلك، وما أشبه اليوم بالأمس فهم مازالوا ينتهجون نفس النهج، فمن يعيش ضمن نطاق إيران الجغرافي ممنوع من تعلم أصول الدين وأهل السُّنة والجماعة وحملة الشهادات العلمية يقبعون في السجون الإيرانية، بالإضافة إلى أنهم ابتدعوا نظرية تسمى «الولي الفقيه» تمكن لرجل واحد في الأرض، وعليه فإنّ على الجميع السمع والطاعة.
وتشدد الدراسة على ضرورة الحذر من مبدأ التقية لدى الفرس والموالين لهم ونذكر بما كتبه والي بني أمية على خُراسان/ ناصر بن سيار / إلى مروان بن محمد:
أرى خلل الرماد وميض جمرٍ
وأخشى أن يكون لها ضرامُ
فإنَّ النَّارَ بالعيدانِ تَذْكِي
وإنَّ الحربَ مبْدَؤها الكلامُ
فإنْ لم يطفئها عقلاءُ قومٍ يكونُ وقودَها جثثٌ وهامُ
فقلتُ مِنَ التَّعجُّبِ ليتَ شِعْري أأيـقـاظٌ أمـيَّـة أم نِـيــــــــــــامُ؟
j باحث في الشؤون الإيرانية























كلمات دالة

aak_news