العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

كارثة غياب التفكير الاستراتيجي العربي



غياب التفكير الاستراتيجي العربي, واحد من أكبر أوجه القصور القاتلة التي نعاني منها في الدول العربية منذ عقود طويلة, وأحد الأسباب الجوهرية التي تفسر عجزنا عن مواجهة الأخطار والتحديات والتعامل معها.
لكن بداية, ماذا يعني التفكير الاستراتيجي بالضبط؟
بعيدا عن أي تعقيدات أكاديمية, يعني ببساطة ما يلي:
1 – يعني ان تكون لديك رؤية بعيدة المدى للمستقبل واحتمالاته وسيناريوهاته المختلفة في كل المجالات, سواء تعلق الأمر بمستقبل كل دولة على حدة, أو مستقبل المنطقة وتطوراتها وقضاياها بشكل عام.
بعبارة أخرى, ان تكون لديك صورة للتوقعات المختلفة لما يمكن أن يحدث في المستقبل المتوسط والبعيد بناء على الدراسة لمختلف الجوانب والاعتبارات والتوقعات المحلية والإقليمية والدولية.
2 – ويعني انه بناء على هذه الرؤية, ان تكون لديك سيناريوهات للتعامل مع المستقبل في كل المجالات على ضوء الاحتمالات المختلفة المتوقعة, حتى لو كانت هذه الاحتمالات ضعيفة أو صعبة التحقق.
3 - ويعني ان تضع خططا للتعامل مع مختلف السيناريوهات والاحتمالات, ولكيفية استغلال كل قدراتك وإمكانياتك, وشبكة علاقاتك.. الخ من أجل خدمة مصالحك وحمايتها, ومن أجل الاستعداد لمواجهة الأخطار والتحديات المتوقعة والتعامل معها بفعالية.
هذا باختصار شديد جدا ما يعنيه التفكير الاستراتيجي.
ومثل هذا التفكير لم يكن موجودا للأسف الشديد في دولنا العربية بشكل منظم ومدروس، لا بالنسبة إلى الحكومات، ولا حتى بالنسبة إلى النخب المثقفة.
بالمقابل, هذا التفكير الاستراتيجي هو أحد مصادر القوة الكبرى في الدول الغربية, والدول الكبرى عموما.
في الغرب, الحكومات ومراكز صنع القرار المختلفة تعطي لهذه القضية أهمية كبرى. لديهم طوال الوقت هذه الاستراتيجيات بعيدة المدى, وهذا التخطيط الاستراتيجي للمستقبل, ليس فقط مستقبل دولهم, وإنما أيضا مستقبل العالم, ومستقبل منطقتنا العربية بالذات.
ولديهم في الغرب مراكز أبحاث كبرى احد مهامها الأساسية هي وضع هذه الاستراتيجيات والخطط في كل المجالات. والحكومات ومراكز صنع القرار تلجأ إلى هذه المراكز وتستفيد منها, وتكلفها في أحيان كثيرة مباشرة بأن تقترح الاستراتيجيات والخطط والتصورات.
لا نعرف في دولنا العربية وجودا لمثل مراكز الأبحاث هذه بالشكل الموجود في الغرب. لا يرجع هذا إلى غياب الكفاءات, ولكن لأنه لا يوجد اهتمام رسمي عربي أصلا بهذه القضية.
وفيما يتعلق بمنطقتنا العربية بالذات, يملكون في الغرب تصورات واستراتيجيات لمستقبلنا ومستقبل المنطقة برمتها لعقود طويلة قادمة, ولما يخططون لتحقيقه وفقا لمصالحهم وأطماعهم بطبيعة الحال.
ولست أبالغ حين أقول إن الغرب لديه مثل هذه الاستراتيجية والخطط لمستقبل المنطقة العربية لمائة عام قادمة.
غياب التفكير الاستراتيجي العربي على هذا النحو في الوقت الذي يملكون فيه في الغرب الاستراتيجيات والخطط البعيدة المدى لمستقبلنا, هي كارثة بكل معنى الكلمة.
هي كارثة لأنها تعني عجزنا عن التعامل مع الأخطار والتطورات الكبرى التي تواجهنا.
وقد رأينا على امتداد السنوات الطويلة الماضية وحتى اليوم, كيف أننا في الدول العربية نفاجأ دوما بالتطورات والأحداث الكارثية التي تقع في منطقتنا العربية وتستهدف دولنا, من دون أن نكون مستعدين مسبقا لتوقعها والتعامل معها.
والنتيجة أن ردود فعلنا تأتي دوما متسمة بالتخبط والتردد وعدم الفعالية.
وحتى عندما نقرر أن نتحرك, فغالبا ما يأتي تحركنا متأخرا جدا, وبعد فوات الأوان في أغلب الأحوال.
والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد.
بسبب غياب هذا التفكير الاستراتيجي, ولأن قضية الاستعداد للمستقبل لا تشغلنا كثيرا, فإننا حتى لا نهتم بمتابعة ما يخطط لنا, ولا نأخذ مأخذ الجد الاستراتيجيات الأجنبية الموضوعة لدولنا ومنطقتنا العربية, بل ونستخف بها في أحيان كثيرة.
على سبيل المثال, استراتيجيات وخطط تدمير الدول العربية وإغراقها في الفوضى وتقسيمها وإعادة رسم خريطة المنطقة موضوعة منذ سنوات طويلة جدا, وحذر منها الكثيرون. ومع هذا, لم تأخذها دولنا بأي قدر من الجدية, وفضل الكثيرون الاستخفاف بها واعتبارها نوعا من أنواع تفكير المؤامرة أو المبالغات الشديدة.
والنتيجة أن هذه الخطط يجري تنفيذها على قدم وساق من دون أن نكون مستعدين لمواجهتها.
وليس هذا هو المثال الوحيد.
هناك أمثلة كثيرة أخرى توضح الثمن الفادح الذي ندفعه اليوم بسبب غياب التفكير الاستراتيجي.
وهذا حديث آخر بإذن الله.







إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

aak_news