العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

برني ساندرز عارض غزو العراق .. هيلاري كلينتون أيدته

بقلم: د.جيمس زغبي j

الثلاثاء ١٦ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



لقد استهدف المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية برني ساندرز لحملة من الانتقادات الظالمة لأنه ظل يذكر الناخبين مرارا وتكرارا بموقفه المعارض منذ البداية للحرب في العراق سنة 2003. لقد أعاد التذكير بمعارضته المبدئية منذ البداية للحرب في العراق، مشيرًا في الوقت نفسه الى الخطاب الذي كان قد ألقاه في شهر أكتوبر 2002 والذي أورد فيه خمسة أسباب مهمة شرح من خلالها تخوفه من طبول الحرب التي كان يقرعها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن.
لقد راح المنتقدون يستخفون بتجربة برني ساندرز بتضاريس السياسة الخارجية غير أنهم جهلوا أو تجاهلوا ذلك الخطاب الذي ألقاه في سنة 2002 وحذر فيه من تداعيات الحرب في العراق. وبما أن برني ساندرز قد استشعر في ذلك الخطاب التداعيات الوخيمة التي ستنجم عن الحرب في العراق فإنه يجدر بنا أن نعيره الاهتمام اللازم بدلا من أن ننتقد ونمقت ذلك الخطاب ونصب جام سخطنا على من ألقاه. هذه باختصار الأسباب الخمسة التي ذكرها برني ساندرز للدلالة على عدم ثقته في إدارة بوش وتخوفه من طبول الحرب التي يقرعها:
1- لم تقدم إدراة جورج بوش الابن أي «تقديرات لعدد الشبان والشابات الأمريكيات الذين قد يلقون مصرعهم في الحرب في العراق كما أنها لم تقدم أي تقديرات لآلاف الأطفال والنساء الذين قد يقتلون جراء الحرب في العراق».
2- التخوف من أن ترسي إدارة بوش «سابقة التدخل العسكري من طرف واحد في العراق في القانون الدولي» وتعطي دورا ثابتا بهذا الشأن للولايات المتحدة الأمريكية في العالم.
3- لأنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت آنذاك تخوض حربا صعبة على الإرهاب العالمي. في هذه النقطة بالذات حذا برني ساندز حذو برنت سكروكرفت الذي كان قد حذر من أن أي «هجوم على العراق من شأنه أن يهدد، بل يقوض الحرب على الإرهاب؟».
4- الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من «ديون هائلة بلغت 6 تريليونات دولار إضافة إلى تنامي عجز الميزانية.. لذلك فإنّ الحرب والاحتلال الأمريكي الطويلة المدى من شأنه يكبد الولايات المتحدة الأمريكية تكاليف باهظة».
5- عبر برني ساندرز عن «العواقب الوخيمة التي لم يقرأ لها اي حساب والتي قد تنجم عن الحرب» وراح يتساءل في هذا الصدد: «من سيحكم العراق بعد صدام حسين؟ ثم ما الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب التي ستنشب بعد سقوط نظام صدام حسين؟». هل سيسعى المتطرفون ردا على الغزو إلى تقويض استقرار الحكومات الأخرى في المنطقة وهل يزداد الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين حدة؟
لا شك أن هذه النقاط الخمسة التي أوردها برني ساندرز بالغة الأهمية وكي ندرك مدى أهميتها يجب أن نذكر بسيل الأكاذيب التي ساقتها إدارة بوش قبيل غزو العراق ونتوقع بعد ذلك ما حدث نتيجة ذلك القرار الذي اتخذه جورج بوش آنذاك بدخول الحرب.
في الفترة التي سبقت الغزو العسكري، تفننت العصابة التي كانت محيطة بجورج بوش في البيت الأبيض في حملة الأكاذيب التي كانت ترمي إلى التسويق للحرب. لم تكن أكبر الأكاذيب تلك التي تتعلق بترسانة الأسلحة الكيماوية التي قيل إن صدام حسين كان يمتلكها أو البرنامج النووي السري المزعوم. لقد كانت الكذبة الكبرى هي تلك الصورة الوردية الحالمة التي رسموها حول السهولة التي ستدار بها الحرب والنتائج الايجابية التي ستنتج عنها.
لقد ظل المسؤولون في وزارة الدفاع -البنتاجون- يؤكدون للكونجرس أن الحرب في العراق ستتطلب ما بين 60 ألفا و90 ألف جندي أمريكي فقط كما توقعوا ان يسقط نظام بغداد خلال ستة أسابيع، كما ظل يؤكدون أن النصر سيتحقق للولايات المتحدة الأمريكية في العراق خلال ستة أشهر فقط كما زعموا أن الحرب ستكلف الولايات المتحدة الأمريكية ما بين مليار وملياري دولار فقط فيما سيتم تغطية بقية التكاليف من خلال الايرادات النفطية.
زعم المسؤولون في البنتاجون ايضا أن العراقيين سيستقبلون الجنود الأمريكيين استقبال المحررين كما أن «العراق سيتحول إلى منارة للحرية تضيء كامل منطقة الشرق الأوسط».
ما حدث في العراق بعد ذلك وما نجم عنه من تداعيات وخيمة كان أقرب ما يكون إلى ما حذر منه برني ساندرز وما توقعه من تداعيات كارثية. فبعد ثماني سنوات كاملة من الحرب والاحتلال لقي أكثر من 4600 أمريكي مصرعهم ودمرت معهم حياة عشرات آلاف الأمريكيين الآخرين الذين لحقت بهم إصابات أقعدتهم عن الحركة وستظل تلازمهم طيلة حياتهم.
من الجوانب المأساوية أن 22 من الجنود الذين شاركوا في تلك الحرب التي أشعل فتيلها جورج بوش يقدمون كل يوم على الانتحار وهو ما يعني أن عدد الجنود الذين نفقدهم من خلال الانتحار أكثر بكثير من عدد الجنود الذين قتلوا في ساحة الحرب في العراق. أما كلفة الحرب والاحتلال والرعاية الطبية المطولة لقدامى الحرب المقعدين فهي تناهز اليوم ثلاثة ترليونات دولار.
تكبر المأساة عندما نتحدث عن مئات آلاف العراقيين الذين قتلوا في الحرب والصراع الأهلية الطائفي الذي اندلع بعد ذلك وأتى على الأخضر واليابس. عمدت ادارة جورج بوش إلى تفكيك المؤسسات وحل الجيش والأجهزة الأمنية ووضعت الأسس لتشكيل حكومة طائفية عراقية جديدة، الأمر الذي تسبب في تأجيج النعرات الطائفية التي أدت بعد ذلك إلى ارتكاب عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق وقيام نظام سياسي تشوبه الكثير من الهنات والثغرات.
لم تنجح تلك الحرب التي أشعل فتيلها جورج بوش في القضاء على الإرهاب بل إنها أدت إلى تفاقم هذه الآفة حيث إنَّ تنظيم القاعدة وتنظيم داعش الذي خلفه بعد ذلك قد تمدد ليشمل اليوم ست عشرة دولة على الأقل. في الوقت نفسه تسببت الحرب وتلك الممارسات الشنيعة التي ارتكبت في سجن أبو غريب ومعتقل جوانتنامو في تردي صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، الأمر الذي جعلها مهددة أكثر من أي وقت مضى.
أدت الحرب التي أشعل فتيلها جورج بوش أيضا ضمن تداعياتها «غير المقصودة» إلى إطلاق يد إيران في المنطقة. فبعد إلحاق الهزيمة بكل من حركة طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق أصبحت إيران قادرة على توسيع نفوذها وبسط هيمنتها على العراق، وأصبحت تزعم أنها تقود «المقاومة ضد الغرب».
لقد كان برني ساندرز محقا عندما قال إن إدارة جورج بوش لم تكن الوحيدة التي أيدت الحرب. فقد مرر مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية أيضا قانونا استخدم في تبرير الغزو العسكري.
لذلك، يتعين على كل من يعتقد أن برني ساندرز يفتقر إلى الحكمة اللازمة التي تمكنه من قيادة السياسة الخارجية أن ينتبهوا إلى ما يتمتع به الرجل من حصافة وبعد نظر في حديثه عن أخطر قرار يتخذه أعضاء مجلس الشيوخ على مدى قرن من الزمن.
عندما يشدد برني ساندرز على موقفه المبدئي المعارض للحرب فإنّ ساندرز لا يريد فقط أن يميز نفسه عن هيلاري كلينتون التي أيدت الحرب والغزو العسكري، بل إنه على وجه الخصوص يضع الأسس المبدئية لسياسة خارجية واقعية ورصينة تقوم على أساس احترام القانون والمؤسسات الدولية والتعاون مع الشركاء والمراهنة على الدبلوماسية.

j رئيس المعهد العربي الأمريكي






كلمات دالة

aak_news