العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

في ضوء زيارة جلالة الملك إلى روسيا..
قراءة في مستقبل العلاقات البحرينية - الروسية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ١٦ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البحرين وروسيا عام 1990، وسرعان ما تحولت إلى علاقات اقتصادية متنامية، وقد بلغ حجم التبادل السلعي بينهما في عام 2007 نحو 5 ملايين دولار، حيث تستورد البحرين من روسيا ما يزيد على 30 صنفًا من السلع، أهمها الصفائح الفولاذية التي تستحوذ على 60% من إجمالي الواردات ثم الورق 20%.
ومع التطور السريع في مجريات الأحداث في العالم وما تعكسه على منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة والخليج بصفة خاصة أصبحت هناك ثلاثة مجالات رئيسية قد تتحرك فيها هذه العلاقات وهي: قطاع الصناعة النفطية، ومشروعات الطاقة النووية المقترحة حديثًا، وبرامج التسلح العسكري.
الملفت في العلاقة بين البلدين أن الشراكات الاقتصادية وأيضًا الاستراتيجية لم تصل إلى الحد المأمول من هذه العلاقة، وهو ما اتضح من خلال إجمالي حجم التبادل التجاري بينهما إذ لم يتعدَ 60 مليون دولار، ولهذا عدة أسباب منها أن الصادرات البحرينية والروسية متشابهة ومتقاربة، فروسيا تصدر أيضًا النفط والبتروكيماويات والألمنيوم وهي نفس صادرات البحرين.
لكن ذلك لا يمنع وجود مجالات أخرى للتعاون وتبادل الاستثمارات، فمثلاً أبدت البحرين رغبتها في التعرف على تجربة روسيا في مد السكك الحديدية، كما أبدت عدد من الشركات الروسية رغبتها في العمل في إنشاء جسر البحرين وقطر، من خلال الاطلاع والدخول في المناقصات الخاصة بإنشاء الجسر. ولا تقتصر المصالح المشتركة بين البلدين على مجالات التعاون التقليدية والنقل الجوي والتنمية العمرانية والأمن الغذائي، وإنما تشمل كل مجالات التعاون المستحدثة من قبيل الجوانب الصناعية والمال والسياحة والتبادل الثقافي.
كما يبدو أن البلدين توسعان تعاونهما السياسي أيضًا، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال عملية تبادل الزيارات على المستوى الرسمي، حيث تعد زيارة العاهل البحريني جلالة الملك «حمد بن عيسى» لروسيا يوم 8 فبراير الزيارة الثالثة لملك البحرين لروسيا، وكانت أول زياراته خلال عام 2008، والثانية في 2014 وأعلن حينها خططًا مستقبلية لتطوير العلاقات بين البلدين.
تعكس الزيارة إقرارًا من الدولتين بثقلهما في محيطيهما، ودورهما في حفظ أمن واستقرار المنطقة والعالم، وذلك بالنظر إلى ما تملكه كل من البحرين وروسيا من علاقات واسعة مع جيرانهما وتحالفاتهما مع المنظمات العالمية. كما جاءت نتيجة طبيعية لما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تطورات سياسية وعسكرية متسارعة، لروسيا دور فاعل ومؤثر فيها، إضافة إلى الرغبة الروسية الواضحة في الوصول إلى مياه الخليج العربي الدافئة، والذي ترجمه تدخلها في سوريا لتحمل رؤية سياسية تهدف إلى تحقيق التوازن الإقليمي وتثبيت مصالحها في المنطقة، فلتلك الزيارة أهمية بالغة من حيث التوقيت والنتائج المترتبة عليها.
تهدف الزيارة إلى عقد مباحثات منفردة وموسعة، لتعزيز التعاون الثنائي في عدة مجالات أهمها الطاقة، وأيضا بحث العمليات الخاصة بإمدادات الغاز إلى محطة الغاز المسال الجديدة تحت الإنشاء في البحرين، بالإضافة إلى تسليم موسكو للمنامة الطائرات والمروحيات العسكرية المتقدمة، وبحث سبل التعاون وتبادل وجهات النظر بشأن العديد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الإرهاب والملف السوري وقضايا الأمن ومكافحة التطرف والتنسيق في المواقف الدولية.
لقد أسفرت المباحثات التي أجريت إبان هذه الزيارة عن الاتفاق على توقيع مذكرات تفاهم مشتركة حول مجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية والمجالات الثقافية والنفط والغاز. وقد تواصلت تحركات قادة البلدين لفتح آفاق جديدة في علاقاتهما الثنائية، وقام الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بتوجيه جميع الأجهزة الحكومية إلى تفعيل الاتفاقيات التي وقعها البلدان خلال الأعوام القليلة الماضية، وبالأخص في مجالات الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والفنون، وكان هذا انعكاسًا لأهمية المنامة بالنسبة إلى موسكو، التي تعتبرها البوابة إلى جميع دول مجلس التعاون، وذلك بسبب البيئة الملائمة التي تتمتع بها لإنشاء وتأسيس الأعمال والشركات للانطلاق إلى مختلف أسواق المنطقة.
وعلى المستوى السياسي يمكن القول إن هذه الزيارة تعكس سياسة خارجية جديدة للبحرين، تتمثل في الدفع بمبدأ الانفتاح على فاعلين جدد، وتأتي الاستدارة البحرينية نحو روسيا التحاقًا بالاستدارة التي قامت بها السعودية والكويت في وقت سابق من العام الجاري، والتي فتحت بطبيعة الحال آفاقًا واسعة من التعاون والتنسيق على كل الأصعدة والمجالات، وقد اعتبرها البعض خطوة خليجية جريئة تقابل قيام الولايات المتحدة الأمريكية بفتح صفحة جديدة من العلاقات مع طهران بعد التوقيع على الاتفاق النووي ورفع العقوبات.
لذا يعد التوجّه الخليجي ممثلاً في السعودية والكويت والبحرين إلى روسيا، وتحريك سياسة «الإغراء» عبر المال النفطي والعلاقات التجارية والعسكرية, ليس فقط للاستثمار، ولكن يُراد منه ضمان موقف دوليّ داعم لسياستهم في الخليج والمنطقة، وسدّ الطرق أمام أية محاولات لتمرير خيارات أو مبادرات تهدد الأمن الخليجي.
ويمكن القول إن القيادة البحرينية قد استطاعت إدراك أهمية الانفتاح في سياستها الخارجية لعدة أسباب، على رأسها نفوذ روسيا المتنامي في المنطقة، وخاصةً بعد التدخل العسكري في سوريا، إضافة إلى رغبة روسيا في إعادة استحداث آليات جديدة للتعاون مرة أخرى مع البحرين. وهنا ينبغي التأكيد على أن هذه الزيارة أسهمت في تحقيق نجاحين مهمين، وهما خلق أجواء إيجابية بين البلدين لتدعيم أواصر التعاون بينهم، والأخرى إعطاء قوة دفع لتطوير العلاقات المشتركة فيما بينهما في كثير من المجالات.





كلمات دالة

aak_news