العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

انتقاد النواب لا يسيء للسلطة التشريعية



شهدت صفحات شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، وخاصة شبكة (تويتر) خلال الفترة التي أعقبت إسقاط نواب البرلمان لطلب استجواب وزيري الطاقة والمالية إثر القرار الحكومي برفع تسعيرة البنزين وهي الخطوة التي اعتبرها بعض النواب تجاهلا من جانب السلطة التنفيذية لدور السلطة التشريعية، ذلك أن القرار اتخذ من دون التنسيق مع الأخيرة، القضية لا تكمن في القرار ولا في آلية اتخاذه من قبل السلطة التنفيذية، فالدستور نفسه لا يغل يد الأخيرة من اتخاذ مثل هذه القرارات، لكن بعض النواب أراد أن يستغل عدم رضا المواطنين عن هذه الخطوة التي تضيف عبئا ماديا على كواهلهم، لإضافة رصيد إلى سجل أدائه النيابي، وخاصة أن هناك عدم رضا عن الأداء الضعيف لمجلس النواب فيما يتعلق بالدور التشريعي والرقابي الذي يمارسونه.
القضية الأهم التي تصدرت صفحات شبكات التواصل الاجتماعي ودخلت إحدى عشرة جمعية حقوقية وسياسية على خطها، وهي ما نريد تسليط الضوء عليها ومناقشتها، لا تتعلق بردود الأفعال إزاء رفع تسعيرة البنزين ولا بالأداء الضعيف لأعضاء مجلس النواب، وإنما في موقف مجلس النواب، وأمانته العامة، وعلاقتهم بالمواطنين، أي بالناخبين، بعد الأنباء عن لجوء التشريعية إلى مقاضاة عدد من المواطنين تحت طائلة «ازدراء» هذه السلطة، وهي خطوة تعد سابقة في تاريخ العلاقة بين الناخب والسلطة التشريعية التي تتشكل بالأساس وترسم صورة ممثليها وشخوصهم بناء على ما يحصلون عليه من أصوات المواطنين.
من حيث المبدأ فإنّ ازدراء السلطة التشريعية أو إهانتها مرفوض تماما كما هو الحال في الموقف من السلطة التنفيذية، وهناك فرق بين النقد البناء الذي يهدف إلى تصحيح الأخطاء ومعالجة النواقص والقصور والاعوجاج في هذا الجانب أو ذاك، سواء في قيام السلطة التشريعية بدورها الدستوري أو في أداء السلطة التنفيذية، وبين ممارسة الاهانة أو الازدراء الذي لا يمكن أن يأتي بنتيجة إيجابية أو يصحح خطأ ما، بل على العكس من ذلك فإنّ مثل هذه الممارسة تساهم في إضعاف وتخريب أدوار تلك السلطات.
هذا الموقف بالنسبة إلينا ثابت وواضح ونتمنى أن يكون كذلك بالنسبة للآخرين، وموقفنا من اتجاه مقاضاة بعض المواطنين من جانب السلطة التشريعية هو الرفض بكل تأكيد، كوننا نفرق بين رفضنا لأي شكل من أشكال الإهانة لأي جهة كانت، وبين انتقاد أداء أعضائها، فالمواقف التي صدرت من بعض المواطنين بعد إسقاط أعضاء المجلس النيابي لطلب استجواب الوزيرين، لم تهن السلطة التشريعية ولا تزدريها، كمؤسسة دستورية قائمة ومصانة بقوة الدستور، وإنما كان النقد موجها لأداء أعضائها، وهذا حق مشروع للمواطن كون عضو مجلس النواب يمثله في هذه السلطة وصوت المواطن هو الذي مكنه من الجلوس تحت قبتها.
فمن حق المواطن أن ينتقد ويسأل عن أداء ودور ممثله النيابي أو البلدي، فالمواطن حين أعطى صوته لهذا العضو أو ذاك، إنما هو أقدم على ذلك من منطلق ثقته في قدرة هذا العضو على تمثيله والدفاع عن مصالحه، فإذا ما أخل العضو بهذا الواجب أو تقاعس أو أظهر عجزا عن أداء دوره المنوط به فإنّ للمواطن كامل الحق في انتقاد هذا الأداء أو الدور الضعيف، فالمسألة ليست شخصية على الإطلاق، والنقد الذي وجه إلى موقف مجلس النواب من قضية الاستجواب، لا يمس مكانة السلطة التشريعية ولا يسيء إليها بقدر ما هو نقد مباح بل ومطلوب لأداء السلطة التشريعية.
فأعضاء السلطة التشريعية مطالبون بأن يكونوا في مقدمة الجميع للمطالبة بتوسيع دائرة الحريات والنقد لا أن يمتعضوا ويشخصنوا انتقاد المواطنين لأدائهم ومواقفهم تجاه القضايا التي تمس مصالح المواطنين، فالسلطة التنفيذية ممثلة في مؤسساتها المختلفة، على سبيل المثال، يتعرض أداء أجهزتها للانتقاد الشبه اليومي، بل إن سمو رئيس الوزراء نفسه يحث وسائل الإعلام والمواطنين على توجيه الانتقاد لأي نقص أو قصور لأنّ ذلك هو السبيل الأمثل للوقوف على النواقص وتصحيح الأخطاء، أما رفض هذا السلوك الحضاري المتمثل في انتقاد الأداء التشريعي أو التنفيذي، وتكميم الأفواه فهو لن يؤدي إلا إلى المزيد من الأخطاء والنواقص والفشل أيضا.
المواطن عندما ينتقد أداء ممثله النيابي أو البلدي، فإنه لا ينطلق من موقف عداء شخصي تجاه هذا أو ذاك، فالمواطن هو الذي أوصل بأصواته ممثليه النيابيين والبلديين إلى المواقع التي يمارسون دورهم من خلالها الآن، ومن الطبيعي أن يغتاظ المواطن وينزعج حين لا يجد في هؤلاء صورة الممثلين الحقيقيين الذين وثق بهم وأعطاهم صوته واعتمد عليهم لتمثيله والدفاع عن مصالحه، بل الأنكى من ذلك عندما يتخذون إجراءات وخطوات تحد من صلاحياتهم، كما حدث فيما يتعلق بتصعيب وتعقيد استجواب الوزراء بعد تعديل اللائحة الداخلية للنواب، وهو التعديل الذي أسهم في إسقاط استجواب الوزيرين.
فدور ممثلي السلطة التشريعية ليس التصدي للانتقادات التي تطول أدائهم التشريعي أو الرقابي وهم ليسوا في موقع محاسبة المواطن على آرائه ومواقفه من هذا الأداء، بل على العكس من ذلك فإنّ المواطن هو المسؤول عن مراقبة أدائهم ومحاسبتهم على أي تقصير يراه في دورهم، من دون أن يكون ذلك على حساب كرامة الإنسان، نائبا كان أم ناخبا، فنحن نرفض الإساءة الشخصية والتجريح لكننا سنبقى ندافع عن النقد البناء ومحاسبة المقصرين أيا كان موقعهم، وخصوصا أولئك الذين يجلسون على مقاعد أوصلتهم إليها أصوات المواطنين.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//