العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٥ - الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

غــــيـــبـــوبــة الــشـــراء!

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٤ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



ربما يعد مصطلح «غيبوبة» من أسوأ المصطلحات التي يمكن أن ينطقها الطبيب لأهل مريض دخل غرفة الإنعاش أو غرفة العمليات، فالغيبوبة هي حالة من السكون التام، أو النوم العميق، وبالأحرى هي حالة من فقدان الوعي العميق، لا يمكن للفرد خلالها أن يتفاعل مع البيئة المحيطة به، ولا يمكنه أيضًا الاستجابة للمؤثرات الخارجية. فالإنسان الواقع تحت تأثير الغيبوبة هو في الواقع إنسان حي، ولكنه في الواقع الأمر نائم بطريقة أو بأخرى، إلا أنه لا يمكن إيقاظه من حالة غيبوبة.
وغيبوبة الشراء هو مصطلح حديث يعني ببساطة حالة ذهنية وهي أشبه بالتنويم المغناطيسي، ينصب فيها انتباه الفرد على شيء واحد أو على دائرة محدودة من الأشياء دون غيرها أو على سلعة معروضة أو خدمة ربما تحتاج إليها، فتجد نفسك مشدوهًا ومشدودًا إلى ذلك الشيء، وكأنه يجذبك بقوة خفية تفقدك القدرة على المقاومة، والفعل الوحيد الذي يمكنك أن تفعله في هذه الحالة هو أن تدخل المحل التجاري الذي أمامك وتضع يدك في جيبك وتخرج نقودك مقابل السلعة التي جذبتك أو الكلام الذكي الذي أدخلك في حالة الغيبوبة. ويقول صاحب كتاب غيبوبة الشراء (جو فيتالي): «وبتطبيق هذا التعريف على العميل أو المشتري وحالته الذهنية أثناء الشراء، يصبح التعريف كالتالي: تركيز تفكير العميل على الفوائد التي سيجنيها في حالة شراء السلعة أو الاستفادة من الخدمات التي يقدمها البائع بذاته دون غيره».
قال لي صديق ذات يوم، ذهبت وابنتي لشراء جهاز هاتف لها، فجاءني صاحب المحل وهو يبتسم ورحب بي وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد، وبعد عمليات الترحيب بدأنا نتكلم عن الهاتف المطلوب وقام صاحب المحل بإخراج معظم أنواع الهواتف الجديدة فعرضها علينا واحدا تلو الآخر، ونحن نرفض هذا ونرجع ذلك وهو يبتسم ويضحك من غير ملل ولا ضجر، وبعد فترة وقع اختيار ابنتي على التلفون المرغوب، ومع ذلك استمر في عرض التلفونات علينا وكأننا نريد أن نشتري هاتفا آخر أو رغبة أخرى، وعندها وجدت نفسي واقعا تحت تأثير هذا البائع الذي يحاول أن يبيعني أنا أيضًا هاتفا جديدا غير الذي بيدي، وفجأة وجدت نفسي وقد قمت بشراء جهازين، واحد لابنتي والآخر لي، وعندما تمت عملية البيع قلت له بوضوح: أنت يمكنك أن تبيع الهواء إن رغبت.
ترى ماذا حدث لصاحبي؟ وكيف استطاع صاحب المحل أن يقنعه بالشراء؟
وحكاية أخرى؛ قال لي أحد الأصدقاء: إنني كلما ذهبت مع زوجتي إلى مجمع تجاري فإني أضيق ذرعًا بكمية المشتريات التي تشتريها، فهي تشتري، وكأن هذا اليوم سيكون آخر يوم في الشراء وبعدها سوف تغلق المحلات. ويواصل ويقول: وعندما أسألها لماذا تشترين هذه البضاعة؟ أو ما حاجتك بهذه البضاعة؟ فإنها تقول أن عليها تخفيض يمكن أن نستخدمها في يوم ما، وهكذا.
مرة أخرى نقول: كيف يستطيع أصحاب المحلات التجارية أن يجذبوا الزبائن وهم داخل المحلات من غير أن يدعوهم بصريح العبارة بالشراء؟
تقول بعض الأدبيات أنه لا يوجد سلوك دون دافع، فلا يقدم الإنسان على شراء سلعة أو منتج أو يطلب خدمة من دون سبب يدفعه إلى ذلك، وبناء على ذلك فإنّ أصحاب المحلات التجارية يكون همهم الأكبر أن يوجدوا ذلك الدافع لدى المستهلك للشراء، وهذا الدافع هو أن تجعل المستهلك فيما يعرف «ببؤرة الانتباه» بمعنى أن تتمكن من جذب انتباه المستهلك إليك وإقناعه أنك قادر على تلبية كل احتياجاته الخاصة والصغيرة قبل الكبيرة، وبالتالي إبقاؤه فيما أطلقنا عليه سابقًا بغيبوبة الشراء. ومما يؤكد ما ذهبنا إليه هو قناعة معظم الناس أن الإعلانات التجارية لا تحمل في طياتها إلا الخداع والأكاذيب، ولا تصف حقائق السلعة وعلى الرغم من ذلك فإنّ هؤلاء الناس يصدقون معظم ما يقال في تلك الإعلانات التجارية.
ولقد وجدنا أن أصحاب المحلات والمنتجات يمارسون ستة وسائل للتحكم في أفكار الناس ونزعهم من حياتهم للحظات وإخضاعهم لغيبوبة الشراء، وهي كالتالي:
1ـ الأمان: كما يقال فإنّ الأمان هو جواز مرور البائع لصفقة ناجحة، إذ ينزع المستهلك لشراء كل ما يشبع رغبتهم الفطرية في الشعور بالأمان، كالرغبة في البقاء على قيد الحياة، وذلك بشراء الطعام والماء، أو تأمين مستقبل الأسرة وذلك بشراء قطعة أرض أو مسكن، فإذا تمكن البائع النفاذ إلى عقل المستهلك من خلال هذه الثغرة؛ فإنه سيدخله في غيبوبة وسيتم الصفقة معه.
2ـ العاطفة: يميل الإنسان عادة إلى إظهار نفسه للجنس الآخر، ومحاولة لجذب انتباهه، وهذه فطرة طبيعية لا فكاك منها، سواء شئنا ذلك أم أبينا، وهذا ينعكس على رغبتنا في شراء أجمل الملابس والسيارات الفارهة وما يعرف بالماركات التجارية.
3ـ التقدير وجذب الانتباه: متى ما شعر الإنسان أنه محل تقدير هذا البائع أو تلك الماركة التجارية؛ فإنه من السهولة أن ينجذب إليها، فهذا البائع يشعرك أنك أفضل زبون لديه، أو أنك إنسان فوق العادي وأنك تستحق أفضل ما أنتجته المصانع، سواء بالكلمة أو بالابتسامة أو بالسلوك فإنك حتمًا ستتوافق معه.
4ـ النقود: وربما يستغرب البعض عندما نقول إن النقود تعد وسيلة من وسائل غيبوبة الشراء، نعم نحن نؤكد ذلك، وذلك من جانب أن الإنسان جبل على حب المال، لذلك فإنك كمؤسسة عندما تُشعر المستهلك أنك لا تريد أن تسلب نقوده، وإنما توفرها له في هذه البضاعة التي قام بشرائها، وتلك الخدمة التي طلبها، فإنه يشعر بالأمان، أو أن تُشعره أنك لا تقصد ماله وثروة وإنما تريد أن تمنحه رغباته وتحقق شهواته، عندئذ فإنه سيقدم لك ماله عن طيب خاطر.
5ـ التفرد: يحب الإنسان أن يكون متفردًا لا يشبهه أحد، وهذا ما يُشعره بالتقدير وربما العظمة والفخر، لذلك فإنه يحب أن يكون بيته لا مثيل له، وأن تقدم إليه خدمات لا تقدم إلى غيره، وإنه يمكن أن يشتري بضاعة لا يستطيع أحد أن يشتريها، وهذا ليس خاصة للأغنياء فحسب وإنما حتى ذوي الدخل المحدود فإنهم يصبون إلى ذلك.
6ـ شهوة الشراء والامتلاك: هنالك أناس تتملكهم شهوة الشراء وامتلاك الأشياء، فهو يشتري لمجرد أنه يرغب في الشراء ليس إلا، فهو غير محتاج لهذه البضاعة أو تلك وإنما يذهب للسوق لمجرد قضاء وقت، وبالتالي يدخل المحلات من باب الفضول ومن ثم الرغبة في الشراء، يشتري ويشتري وبعد ذلك يفكر –هذا إن فكر– ويقول في نفسه لماذا اشتريت هذا؟ ومع ذلك يستمر في إرضاء هذه الشهوة التي تتملكه بين كل حين وأخر، فهو لا يستطيع التوقف عن الشراء ولا يستطيع أن يشبع شهوته.
فإن استطاع البائع الفذ أن ينفذ إلى المستهلك من هذا الجوانب الستة ويخترق أسوار المستهلك؛ فإنه حتمًا يمكنه أن يقدم الوسادة المخملية له ويدخله في غيبوبة حتى يقوم بعملية الشراء وإن لم يكن يرغب في ذلك، فغيبوبة الشراء في هذه الحالة حالة من التنويم المغناطيسي الذي لا يمكن الهروب منها.
وهذا عكس مندوب المبيعات الذي يتصل بالمستهلك عبر التلفون في أوقات الظهيرة أو القيلولة أو أن يقول له إننا وجدنا اسمك مصادفة عبر الإنترنت أو ما شابه ذلك ليعرض عليه بضاعة، فهو أولاً ربما يكون قد اتصل في وقت غير مناسب، وثانيًا إنه لا يعرف من هذا المستهلك إلا اسمه، فكيف يمكنه أن يخلق حالة من غيبوبة الشراء على هذا النحو؟
وأعتقد أن هذا السؤال يعدُّ أهم سؤال يدور بخلد العاملين في مجال التسويق؛ كيف يمكن أن نخلق حالة من غيبوبة الشراء لدى المستهلك؟
في استشارة ودورة تدريبية قدمناها لمؤسسة محلية للإجابة على هذا السؤال لفئة مندوبي المبيعات قمنا بتلخيص بعض الحيل والمحاولات التي يمكن أن تساعد المندوب في بيع المنتج المكلف ببيعه، ونحن نقدمها هنا للمستهلك حتى يتعرف على ألاعيب البائعين ليتجنب الوقوع في غيبوبة الشراء، وهي كالتالي:
1ـ وجِّه الأسئلة المفتوحة: معظمنا يسأل بطريقة الخطأ، فنحن نسأل وننتظر أن تكون الإجابة بنعم أو لا، إلا أن مندوب المبيعات يجب ألا يسأل هذه النوعية من الأسئلة، وذلك حتى نتيح الفرصة الكاملة للمستهلك أن يتكلم ويعبر عن نفسه وبالتالي نقيم حوار معه، فبهذا الحوار تنشأ فرصة أكبر للمستهلك أن يفكر فيما نعرضه عليه ولكن بطريقتنا الخاصة.
2ـ لا تسأل بصيغة (هل) وإنما أسأل بصيغة (أيهما)؛ فلو سألنا العميل: هل ترغب أن يكون الموعد يوم الأحد؟ فإنّ هناك نسبة كبيرة أن يرفض هذا الموعد، ولكن ماذا سيكون رده إن قلنا له: أيهما تفضل أن نجتمع يوم الأحد أم الإثنين؟ فالسؤال الثاني يدل على أن الاجتماع محسوم ولكن نحتاج فقط أن نحدد اليوم، أما السؤال الأول فهو غير ذلك.
3ـ وجَّه أسئلة تبعث على التأمل، فيمكن أن تقول للمستهلك – مثلاً – تخيل نفسك وأنت تسير في الشارع بهذه السيارة، أو تخيل ابنتك وهي مرتدية هذه الملابس.. وما شابه ذلك، ففي هذه الحالة فإنك تضعه في حالة من تأمل عالمه الداخلي، وهذه يساعدك أن تقوده بعد ذلك إلى الغيبوبة المطلوبة.
4ـ استمع إلى المستهلك ودعه يتكلم، فلا يمكنك أن تستحوذ عليه إلا بعد أن تصغي إليه وإلى متطلباته، فلا تستأثر أنت بكل الحديث، كما يجب أن تعدل كلماتك وعباراتك طبقًا لاحتياجات العميل؛ كي يتسنى التحدث معه باللغة نفسها التي يتكلم فيها، أو بالأحرى بالحالة نفسها التي يعيشها في تلك اللحظة.
5ـ حقق متطلباته وقدم البدائل وتكلم في التفاصيل؛ فكلما قدمت تفاصيل أكثر سهل على العملاء أن يتذكروا العرض المقدم إليهم.
6ـ لا تكذب؛ فجسور الثقة التي تبنى بينك وبين المستهلك هشة يمكن أن تدك من أول كذبه، فالناس يفضلون الشراء من البائعين الذين يعرفونهم ويتعاملون معهم وكذلك يحترمونهم ويثقون فيهم.
7ـ ابتسم؛ فمن المعروف إن الابتسامة تفتح كل الأقفال المغلقة، ولكن احذر من أن تكون ابتسامتك صفراء، فإنها لن تدخل القلوب.
لو استخدمت المؤسسات بعضًا من هذه الحيل والأساليب؛ فإنها حتمًا يمكن أن تحدث فارقا، ولكن للأسف فإنّ العديد من المؤسسات لا تفكر إلا في الربح المادي، وهذا مطلوب ولكن المؤسسة لا تقوم إلا بشراء رضا المستهلك، فإنّ رضي المستهلك منك فإنك حتمًا تستطيع أن تدخله في الغيبوبة التي تنشدها بسهولة؛ وبالتالي سوف يكون عميلك إلى فترات زمنية طويلة جدًا، وهذا هو المطلوب.
وعلى المستهلك أن يعرف حيل الشركات المنتجة وأساليبها؛ حتى يجنب نفسه الوقوع في غيبوبة الشراء.

Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news