العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإســلام.. ديـن عـابـر لـلـقـارات!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٤ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



أمر عادي وغير مستغرب أن تنتشر دعوة، وتطبق شهرتها الآفاق بنجاح من يحملها ويدين بها، ولكن ما هو غير عادي ومستغرب أن تنتشر دعوة وأهلها عنها مدبرون، وإلى غيرها يميلون، وعن الإيمان بها وبتعاليمها معرضون، وحين نستعرض الدعوات في العالم لا نجد إلا دعوة واحدة نالت من الشهرة والذيوع والانتشار ما لم تنله دعوة أخرى، وهذه الدعوة، هي دعوة الإسلام التي انتشرت في المعمورة كما تقول المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري(أستاذة اللغة العربية في جامعة نابولي): «إن التاريخ لم يشهد، قط، ظاهرة مثل (ظاهرة الفتوحات) هذه من قبل ومن العسير على المرء أن يقدر السرعة الني حقق بها الإسلام فتوحه، والتي تحول بها من دين يعتنقه بضعة نَفَر من المتحمسين إلى دين يؤمن به ملايين الناس. ولا يزال العقل البشري يقف مذهولاً من دون اكتشاف القوى السرية التي مكنت جماعة من المحاربين من الانتصار على شعوب متفوقة عليه تفوقاً كبيراً في الحضارة، والثروة، والخبرة، والقدرة على شن الحرب..» (قالوا عن الإسلام/ د. عماد الدين خليل/ ص 297).
ويؤكد المفكر والمؤرخ سير توماس أرنولد هذه الحقيقة عن سرعة انتشار الإسلام، وبلوغه ما بلغ، فيقول: «يرجع انتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى: اجتماعية وسياسية ودينية، على أن هنالك عاملاً من أقوى العوامل الفعالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة المسلمين، الذين وقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي الرسول-صلى الله عليه وسلم- مثلاً أعلى، وقدوة صالحة» (المرجع السابق/ص 265).
كما يؤكد سير توماس آرنولد حقيقة أخرى وهي: أن انتشار الإسلام وذيوع تعاليمه ومثله في الآفاق لم يكن كل ذلك على حساب أهل الديانات والملل الأخرى، ولم يحاول الإسلام في يوم من الأيام إجبار أحد على اعتناقه، هذا ما يؤكده سير آرنولد حين يقول: «.. لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام الطوائف من غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي. ولو اختار الخلفاء تنفيذ إحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإيزابيلا دين الإسلام عن إسبانيا، أو التي جعل بها لويس الرابع عشر المذهب البرتستانتي مذهباً يعاقب عليه متبعوه في فرنسا،أو تلك السهولة التي ظل بها اليهود مبعدين عن إنكلترا مدة خمسين وثلاثمائة سنة» (المرجع السابق/ص266).
إذن،فانطلاقة الإسلام وانتشاره في المعمورة لم تكن بسبب هذه الأسباب مجتمعة أو بواحد منها، كما أن انتشار الإسلام وذيوع تعاليمه وقيمه لم يكن كذلك بسبب تمسك المسلمين به وتفعيل قيمه وأخلاقه في حياتهم العملية، بل كان كل ذلك الانتشار والذيوع بسبب قوته الذاتية التي فيه، والتي حفظها الله تعالى بحفظه سبحانه لكتابه المعجزة الذي يضم أصول الإسلام، وذلك حين قال سبحانه: «إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر/9؛ ولأنه سبحانه وتعالى حفظه من أي تحريف أو تزوير، قال سبحانه: «.. وإنه لكتاب عزيز(41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42)» فصلت.
إن القوة الذاتية في العقيدة الخالصة التي يدعو إليها، وفي القيم الأخلاقية التي جاء الرسول-صلى الله عليه وسلم-؛ ليجعلها هدفاً لبعثته، قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» الإمام مالك.
هذه القوة المنتصرة نجدها في قوله تعالى: «وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون» فصلت/26.
إذن، فالمعادلة التي قد تبدو للنظرة السطحية العجلى أنها متناقضة، ولا تؤدي فيها المقدمات إلى هذه النتائج، وفاتها أنها في الواقع ليست كذلك حين ندرك أن الجهتين كما يقول أهل العلم منفكة، وذلك حين تكون المقدمات مقصود منها شيء، والنتائج مقصود منها شيء آخر، والسؤال الذي صحبنا طوال هذه الرحلة المباركة هو: هل انتشار الإسلام وذيوع صيته بسبب أن المسلمين قد حققوه في واقع حياتهم، فيرى غير المسلمين ما حققه المسلمون بسبب تمسكهم بالإسلام، فيجدون ذلك حافزاً لهم على الدخول فيه، أم أن أحوال المسلمين المتردية لا تشجع أحداً على الإقبال على الإسلام، وإنما الذي شجعهم على الدخول فيه، والإيمان بتعاليمه هو ما عرفوا عنه من سمو تعاليمه، وصفاء عقيدته مما دخل على العقائد الأخرى من شرك، ومن الأسباب أيضاً التي حفزت غير المسلمين للدخول في الإسلام ما حققه على أرض الواقع من انتشار وذيوع وخاصة بين النخبة من رجالات الفكر والعلم الغربيين؟
إذن، نستطيع أن نقول: أن المعادلة الصحيحة التي تم للإسلام بموجبها هذا الذيوع والانتشار هي: أن غير المسلمين حين أتيح لهم أن يعرفوا حقيقة الإسلام، وخلو تعاليمه من مناهضته للعلم، وأنه الشريعة الوحيدة التي لا يوجد فيها تعارض بين حقائقه وحقائق العلم الثابتة، هذه هي المقدمات،فكان لا بد وأن تقودنا إلى النتيجة التي شهد لها علماء الغرب ومفكريه، وهي أن يكون له هذا الذيوع والانتشار، فيبدأ الإسلام بقلة من أتباعه، حيث كانوا في غزوة بدر لا يزيد عددهم على أربعة عشر وثلاثمائة من المسلمين ليصبحوا اليوم يربو عددهم على مليار ونصف.
إذن، فالمحصلة الأخيرة من هذا كله هو: أن الإسلام هو الدعوة الوحيدة العابرة للقارات، والتي بزغ فجرها الصادق على كل أرض، وأن صوت المؤذن يشهد لله تعالى بالوحدانية، وللرسول محمد-صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، ينطلق كل يوم بل كل لحظة من مآذن الدنيا كلها في جميع الأوقات (بسبب اختلاف المطالع) رغم أنه لا يزال في هذه البلدان للشرك ألوية مرفوعة، وكلمة مسموعة، وسلطان مهاب، إلا أن سلطان الإسلام.. وسلطان التوحيد هو الأعلى والأبقى والأمجد.
وصدق الله العظيم: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» التوبة/33.

aalbinfalah4@gmail.com






كلمات دالة

aak_news