العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان
هل امتد «الربيع العربي» إلى أمريكا؟

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٣ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



لفتت أنظار العالم الانتخابات التمهيدية الأمريكية، لاختيار مرشحيي الحزب الجمهوري والديمقراطي، التي بدأت في ولاية أياوا، في اليوم الأول من فبراير الجاري، حيث برزت حقائق غير متوقعة، تعتبر مضادة للمؤسسة الأمريكية الضخمة، وهو «بروز» تيد كروز على حساب الملياردير رونالد ترمب، وبرني ساندرز على حساب السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والسيدة الأولى في فترة رئاسة الرئيس بيل كلنتون، والمدعومة من الشركات والمؤسسات الأمريكية. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: ما الذي يجري في الانتخابات الأمريكية لعام 2016؟ وأين قوة المؤسسات المالية الضخمة؟ فهل هناك ثورة اجتماعية أمريكية جديدة؟ وهل امتد «الربيع العربي» الى الولايات المتحدة؟ وهل ستتحول الولايات المتحدة من رأسمالية تباين ثراء منفلتة، إلى ديمقراطية أوروبية اجتماعية منضبطة؟
بعد ثورة عام 1917 بروسيا، بدأ يبرز تنافس بين نظامين اقتصاديين، اشتراكية كارل ماركس، ورأسمالية آدم سميث. وقد حاول النظام السوفيتي، والنظام الصيني، تطبيق اشتراكية كارل ماركس من خلال الحركة الشيوعية العالمية، كما حاولت كثير من دول العالم الثالث والدول العربية تطبيق النظام الاشتراكي بمفهومه الاجتماعي، ومع الأسف الشديد أثبتت جميع هذه التجارب فشلها. وفي نفس الوقت حاولت دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة تطبيق النظام الرأسمالي، وقد نجحت في تطوير مجتمعاتها اجتماعيا واقتصاديا وتكنولوجيا، كما استطاعت أن تخلق طبقة متوسطة متعلمة ومدربة وثرية، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وتطورت معها مفاهيم حقوق الإنسان العالمية.
ويرجع النظام الاقتصادي الرأسمالي المعاصر الى عدد من علماء رجال الاقتصاد وعلى رأسهم، الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث، وقد جمع نظرياته الاقتصادية، مع بداية الثورة الصناعية في أوروبا، في عام 1776، في كتاب ثروة الأمم، الذي بحث فيه عن طبيعة وأسباب ثروة الأمم. وقد آمن سميث بالرأسمالية، فرفض تدخل الحكومة في الاقتصاد، ونادى بوجوب تركه لقوى السوق في العرض والطلب، والتي تستطيع «بيدها الخفية» أن تخلق التوازن المنشود. وقد حاولت الدول الغربية تطبيق رأسمالية السوق الحرة، ولكن في الوقت نفسه منعت الاحتكار، وخلقت شبكة من الضمانه الاجتماعية في التعليم، والرعاية الصحية، وتأمين التعطل والتقاعد، لكي تحمي المواطنين من وحشية السوق.
ومع بدايات سبعينيات القرن الماضي، بدأت تقوى نظريات قوى السوق الحرة المنفلتة من الانظمة والقوانين، مع التخلص من القطاع العام، بخصخصته. وقد لعب الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ورئيسة وزراء بريطانيا، مارجريت تاشر، دورا مهما في تخليص السوق الحرة من القوانين والأنظمة، كما أنهيا الدور الأساسي للقطاع العام، بل بيعت معظم الأصول الحكومية للقطاع الخاص. وفي نفس هذه المرحلة من التطور البشري، بدأت تتطور تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات، مع عولمة السوق الحرة، لتبدأ مرحلة جديدة من التطور للشركات الغربية العملاقة، ولتبدأ العمل على مستوى العالم بأكمله، ولتفتح لها مشاريع ومصانع وخدمات في كل رقعة على كوكبنا الأرضي. وبذلك فقدت دول الغرب السيطرة على شركاتها العملاقة، كما تهربت هذه الشركات من الضرائب، لتزداد أرباحها بشكل غير مسبوق، وليزداد ثراء المساهمين، ولتبدأ فرص للثراء المبالغ فيه، فمثلا 10% من مواطني الأمريكيين يملكون 80% من الثراء الأمريكي، بينما 68% يملكون 3% من هذا الثراء. ولتبدأ مرحلة جديدة من تباين الثراء العالمي، حيث إن 63 مليارديرا في العالم يملكون ما يملكه 3,5 مليارات شخص من سكانه.
وقد بدأ تباين الثراء يقلق دول العالم، ليصل الى دافوس هذا العام، كما برز هذا الموضوع في صراعات انتخابات الرئاسة الأمريكية، بل خصصت المجلة الأمريكية للشؤون الخارجية، فورين أفيرز، عددها لهذا الشهر لمناقشته. وقد نادى أبرز المنافسين في الحزب الديمقراطي، برني ساندرز، بضرورة وقف زيادة الثراء والسلطة من يد القلة في القمة، في الوقت الذي كان يدافع فيه الجمهوريون عن تباين الثراء بأنه ظاهرة طبيعية في النظام الرأسمالي، للمحافظة على المنافسة والإبداع، وابتكار الاختراعات التكنولوجية الجديدة.
وقد درس هذه الظاهرة بعمق البروفيسور روبرت ريش، وزير العمل السابق في إدراة الرئيس كلنتون، في كتابه الجديد، إنقاذ الرأسمالية، والذي يطرح فيه بأنه ليس هناك ما سمي بالسوق الحرة في النظام الرأسمالي، بل القانون هو أساس هذه الرأسمالية، وخاصة أنظمة الملكية، والاحتكار، والعقود، والإفلاس، والتي تم التلاعب بها من قبل لوبيات الشركات العملاقة، لتكون السبب في بروز تباين الثراء. ويؤكد رايش أن القضية ليست تنافسا بين الرأسمالية ونظرية اقتصادية أخرى، بل السؤال الرئيسي: هل الرأسمالية نظام اقتصادي لخدمة المجتمع ككل، أم لخدمة مجموعة صغيرة في القمة؟
ويجيب البروفيسور ريش عن ذلك السؤال بقوله: «نحن في الولايات المتحدة وقعنا في شباك فكرة أن علينا الاختيار بين السوق الحرة أو الحكومة، ولكن في الحقيقة لن تكون هناك سوق حرة إن لم تكن هناك حكومة تنفذ القوانين، وبرلمان يشرعها. كما ان عبارة السوق الحرة، هي عبارة إلهاء كاذبة ومضرة، والتي تدفع بنا إلى اختيار ليس أساسي. فنظامنا الرأسمالي به سوق مرتبطة بأنظمة، وضعت من الإداريين والمشرعين والوكالات والقضاة، ويتطور هذا النظام يوميا بالممارسة، وبآلاف مؤلفة من الطرق. والموضوع الحقيقي الذي يجب أن نتدارسه هو مراقبة من يستفيذ من هذه الأنظمة والقوانين، ومن هم أٌقوى المؤثرين في تشريع هذه القوانين؟ فيجب علينا اليوم بناء قوانين متطورة للرأسمالية، تتناسب مع تحديات العولمة، مع التركيز على أنظمة العقود والإفلاس، وقوانين الملكية، والتي تغيرت الكثير من أنظمتها خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب قوة اللوبيات التي تعمل لخدمة رؤس الأموال الكبيرة، والتي نجحت في تحسين أرباح الشركات العلاقة، بينما تؤدي في نفس الوقت الى تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لباقي المواطنين».
ويعرض البروفيسور ريش أمثلة لنظرياته، فيقول: «فمثلا لو راجعنا قوانين الإفلاس لنجد أن شخصا كالملياردير دونالد ترامب، استطاع ان يعلن إفلاسه أربع مرات، ويعزل استثمارته الأخرى من الخطر، بينما لا يستطيع المواطن العادي أن ينقذ سكنه، حينما يفقد ثمنه في السوق، لأنه لا يستطيع الاستفادة من قوانين الإفلاس، لتنظيم دفع ديونه المتراكمة. بل قد يبلغ المواطن السبعين من العمر وتبقى عليه ديون الدراسة الجامعية، لتستولي البنوك على معاشه التقاعدي لدفعها. فقد غير المشرعون، بقوة اللوبيات البرلمانية، قانون الافلاس على مر السنين، لكي يفيد الدائنين الكبار والبنوك وشركات البطاقات الائتمانية والشركات العملاقة الأخرى، وعلى حساب مضرة المواطن العادي. كما أصبح موضوع الاحتكار من أخبار الماضي، بعد أن تركزت الخدمات في يد شركات قليلة، فمثلا احتكر الطيران الأمريكي اليوم بيد اربع شركات عملاقة. كما كانت قبل ازمة عام 2008، أكبر خمسة بنوك في الوول ستريت تملك 25% من الأصول البنكية الأمريكية، بينما تملك اليوم 44% من هذه الأصول. بالإضافة الى أن التأمين الصحي، تركز في أيدي مؤسسات عملاقة قليلة، لذلك ارتفعت أسعار التأمين الصحي بشكل فاضح، بعد أن قلت الاحتمالات المتوافرة. بل تتكرر هذه الأمثلة في قطاع الأغذية، والطاقة، والتكنولوجيا».
ويستمر البروفيسور في استيائه ليقول: «وحتى راتبك الشهري يتوزع على هذه الشركات العملاقة لتقطع جزءا كبيرا منه. ولو راجعنا عقود الوظائف لوجدنا أن هناك قوانين تفرض على الشركات اختيار تحكيم إجباري، من قبل شركات قانونية تدافع عن الشركة، ضد موظفيها، والذي يؤدي الى ضعف قدرة التفاوض بين الموظف وشركته، ما يؤدي الى انخفاض الراتب، وزيادة أرباح هذه الشركات. بالإضافة الى القوانين التي تمنع الموظف المشاركة في عضوية النقابات، ما يضعف من قوة اتحاد العمال في الدفاع عن حقوقهم، وبذلك تنخفض الرواتب والعلاوات الاجتماعية، لتزداد أرباح الشركات العملاقة. فبهذه القوانين تقوى الشركات العملاقة، وتفتقر القوى العاملة، لتنخفض رواتبها، بل لا تستطيع تسويق عمالتها البشرية، في حين تسوق هذه الشركات بضائعها، بأسعار هائلة، في الوقت الذي تدفع فيه رواتب منخفضة لموظيفها، الذين يعمل الكثير منهم بالنظام الجزئي».
وقد بدأت اليوم جميع الدول تركز على موضوع تباين الثراء، وذلك لكونه أصبح متطرفا في الارتفاع، بل حتى اليمين الأمريكي بدأ يشكو منه. ويبقى السؤال: ما الذي يمكن القيام به لوقف هذه الظاهرة الخطيرة وإصلاحها؟ ويقترح برني ساندرز، ضرورة رفع الضرائب على الشركات العملاقة، وزيادة الاستثمارت الحكومية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتطوير أنظمة أخرى تحمي القوى العاملة، وخلق شبكة اجتماعية في الصحة والتعليم وتأمين البطالة والتقاعد. كما يناقش موضوع السوق الحرة نفسها، حيث يعتقد أنه لم نستطع حتى الآن التعرف على العلاقة الحقيقية بين السلطة السياسية وبنية السوق، والتي ساعدت الأثرياء ضد الطبقة العاملة، كما يؤكد أن هناك حاجة إلى سلطة تعويضية كالتي انشئت في العقود الثلاثة بعد الحرب العالمية الثانية.
ويبدو أنه لن يكون هناك هذه المرة انقسام في الانتخابات الأمريكية بين اليمين واليسار، أو الديمقراطيين والجمهوريين، بل سيكون هذا الانقسام بين المجموعة المدافعة عن المؤسساتية الأمريكية بصورتها الجديدة، والمجموعة المضادة لها. كما ان الجمهوريين المضاديين للمؤسسة الأمريكية في وضع انتخابي متقدم، فدونالد ترامب مع انه ملياردير، ومن جناح اليمين، لكنه من أتباع النظرية الشعبية، المضادة للمؤسساتية الأمريكية، بينما يبقى بيرني ساندرز ممثلا لدور المصلح الشعبي، فيريد إنهاء تباين الثراء الفاحش، وخلق شبكة اجتماعية تحمي الطبقات الوسطى والفقيرة. وليس هناك اختلاف عن أن أتباع النظرية الشعبية مستمرون في الصعود في الانتخابات الأمريكية القادمة، ولكن لا يعني ذلك أنهم سيربحون في انتخابات عام 2016.
وتبقى هذه الحركة، حركة «الربيع العربي» االشعبية، أكثر انتشارا اليوم، مع انتشار السخط الشعبي من النظام السياسي الاقتصادي، الذي يثري الأثرياء، ويزيد الطبقة المتوسطة فقرا. ويبدو أن هناك نوعين من الحركات الشعبية الخارجة ضد النظام، فتجد البعض، مثل برني ساندرز، الذي يتمتع بنظرة ديمقراطية اجتماعية، ويعتقد بضرورة رفع الضرائب، وزيادة خدمات الشبكة الاجتماعية، وهناك اليمين الشعبي، الذي يفضل خفض الضرائب عن الطبقة الوسطى، رغم أن ذلك سيؤدي الى خفض كبير للضرائب على الأثرياء. كما أن هناك تداخلا بين هاتين المجموعتين، فتريد المجموعتان حلا لبنوك الوول ستريت العملاقة، كما يكرهون اتفاقية التجارة عبر المحيط الباسيفيكي، ويعترضون على الرعاية الاجتماعية للشركات، كما أنهم ضد الصداقات الحميمة مع الشركات العملاقة، ويتحدثون دائما عن رأسمالية المحسوبية، لذلك هناك تشابه بين بلاغة الطرفين، اليمين واليسار، ولكن هناك خلافات أيضا، وكبش فداء اليمين هم المهاجرون والمسلمون والفقراء.
ويكمل البروفيسر ريش نقاشه فيقول: «كما سيكون للثورة الصناعية الرابعة تأثيرات مهمة، فقد تنبأت في التسعينيات بأن تباين الثراء هو نتيجة للعولمة والتغييرات التكنولوجية، وتصورت بأن التعليم هو الجزء ألأكبر من الحل، ولكن أعتقد اليوم أنه كانت أفكاري جزئيا صحيحة، وجزئيا خاطئة، فهناك عامل أكبر وهي السياسة، فالسوق بأكملها كانت متجهة إلى الأعلى نحو الثراء الفاحش، ولم يعد التعليم وحده كافيا بوضوح، فدخل خريجي الكليات اليوم في انخفاض، فحوالي 48% من الخريجين يقومون بأعمال لا تحتاج إلى شهادة جامعية أصلا. ولا يعني ذلك أننا لن نستطيع عمل شيء، فالسوق من صنع الإنسان، ونستطيع بإصرارنا وجهودنا أن نخلق انضباطا في تعاملاتها، بفرض قوانين تنظمها». ولنا لقاء.
j سفير مملكة البحرين في اليابان




كلمات دالة

aak_news