العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المضمر في الخطاب السياسي الإيراني

بقلم: د. إبراهيم العثيمين

السبت ١٣ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



دكتور توماس لينديمان؛ Thomas Lindeman أحد أهم منظري العلاقات الدولية بجامعة فرساي سان-كوينتين Univesité Versailles Saint-Quentin الفرنسية، له عدة كتب في نظريات العلاقات الدولية منها كتاب «السياسة الدولية لكسب الاعتراف» (International Politics of Recognition)، وكتاب «الحرب من أجل كسب الاعتراف» (War for Recognition)، وفي محاضرة له ألقاها حديثا في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تحت عنوان «الخطاب الداخلي في إيران والتحديات الأمنية الحقيقية» تعرض فيها لسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، وتطرف الخطابات الداخلية والسياسة الـخارجية الإيرانية. انطلق لينديمان في محاضرته طارحا عدة تساؤلات: لماذا اتسم سلوك إيران بالعدوانية طوال العقد الماضي، وخاصة منذ عام 2005؟ لماذا كان الفشل مصير البيريسترويكا (إعادة البناء) الإيرانية، لماذا يعلن صانعو القرار الإيراني أنفسهم بأنهم دولة نووية كبيرة، ويهددون إسرائيل قبل أن يكونوا قادرين فعلا على توظيف هذا الردع النووي؟ ولماذا تؤكد إيران الخيار النووي على الرغم من التكاليف الاقتصادية العالية المرتبطة بهذا الخيار (العقوبات المفروضة عليها، مثلا)؟ وفي سياق إجابته عن هذه التساؤلات، تحدث لينديمان عن مفهوم «لغة الخطاب المتسمة بـ(تعظيم الذات)» الذي يعتقد أنها المحدد الرئيسي لفهم السلوك الإيراني. يعرف لينديمان «خطاب تعظيم الذات» بأنه الخطاب الذي يتيح للجهات الفاعلة الحفاظ على صورتها الذاتية الايجابية، فيما لم يجر في الواقع الاعتراف بها (ويتم رفضها) من قبل القوى الكبرى (الأخرى المهمة) بشكل رئيسي من خلال شيطنة الآخر.
يرى لينديمان أن الخطاب السياسي للدول الثورية بشكل عام، الذي يتناول الساحة الدولية ودور بلادهم في المرحلة المعنية، غالبا لا تجري عليه تحليلات للمصالح السياسية ولغة التكاليف والمنفعة كالعلاقات الخارجية التقليدية، لأن هدفها الأساسي ينصب على ترسيخ شرعيتها الداخلية أولا وهكذا، فإن هدف هذه الدول الرئيسي هو «متابعة مهمتها الثورية واتخاذ هوية معينة تقوم على مجموعة معينة من المعايير والقيم. فحتى السلوك الخاطئ والمحفوف بالمخاطر على الساحة الدولية قد تكون له «ميزة» في تعزيز الاستقرار (التماسك) الداخلي. وبالتالي يعتقد لينديمان أن إيران استخدمت الـخطاب الثوري والسياسة النووية لتكوين صورة إيجابية للذات حول إيران المعزولة. وأكد أن وصم إيران بـ«الدولة المارقة» أسهم فـي ظهور التوصيفات الذاتية النرجسية التي تصف القوى الدولية الغربية بـ«الشريرة». وبناء عليه يعتقد لينديمان أن سياسة «حافة الهاوية» الإيرانية في العلاقات الدولية (السياسة النووية والمساعدات الثورية) هي النتيجة الطبيعية، جزئيا لخطاب إدراك الذات وتقديرها، والذي يضفي الشرعية على صانعي القرار الإيراني في الساحة الداخلية. ووفقا لينديمان يتسم خطاب إدراك «الذات» بخاصيتين رئيسيتين هما:
أولا: النرجسية السياسية، فكونه يشير الى الذات فمن شأنه أن يحدد مجتمع الشخص المعني على انه ذو طابع فردي بشكل حاد وأسمى أخلاقيا من «أعدائه». وأي انتقاد لـ«الذات» يتم تحويلها لتغدو شيئا «استثنائيا» و«إيجابيا»، فعلى سبيل المثال، يحول ما يسمى «التخلف» إلى شيء نقي ومناقض لـ«الفساد» الغربي.
ثانيا: شيطنة الآخر، فغالبا ما يقوم هذا الخطاب على الإنكار التام لوجود الآخر، وفرض قوالب نمطية تربط الآخر بالشر والعداء. وكما قال كارل شميت Carl Schmitt أحد أهم المفكرين الألمان وأكثرهم إشكالية في القرن العشرين «إن الصديق والعدو هما دائما في كفاح مستمر ضد بعضهما بعضا. إن الكفاح هنا استعارة مضرجة بالدم، ذلك أنها لا تعني شيئا آخر سوى القتل الفيزيقيي للعدو. والسياسة نفسها من دون كفاح ليست ممكنة». أو كما كتب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتابه «مارقون»، لا يعترف بغير «منطق الشبيه الأحادي والبعد الإمبريالي المعنى». فالآخر المختلف يظل خطرا، خطرا يجب التخلص منه مهما كلف الثمن. وبالتالي مفاهيم «الصديق»، و«العدو» و«القتال» تكتسب معناها الحقيقي الدقيق لأنها تشير إلى الإمكانية الحقيقية لحدوث القتل المادي».
وأخيرا تظل فرضية لينديمان لها ما يبررها في تفسر السلوك الإيراني. وقد نشرت سابقا مقالا بعنوان «السعودية وقطع العلاقات مع إيران» عن بعد آخر للسلوك الإيراني وهو سلوك النظم الثورية وحاولت أن استدل على ذلك بنصوص الدستور الإيراني نفسه، إلا أنه بشكل عام ليس هناك بعد واحد لفهم تعقيدات السياسة الدولية وتفسير السلوك السياسي للدول.

j محلل سياسي وباحث سعودي في العلاقات الدولية
bmt922@hotmail.com






كلمات دالة

aak_news