العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

انعكاسات أزمة اللاجئين السوريين في ضوء تقرير مؤسسة «راند»

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ١٢ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



صدر عن مؤسسة «راند»، إحدى أهم المؤسسات الفكرية المؤثرة على صناعة القرار في الإدارة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، تقرير قام بإعداده كل من «باربرا سودي»، «ديفيد ستيبينز»، و«سارة ويلانت»، تحت عنوان «تقليل خطر تطرف اللاجئين: الدروس المُستفادة من أزمات الشرق الأوسط الماضية»، تناول مسألة اللاجئين الذين تدفعهم معاناتهم ببلدانهم إلى الهجرة إلى أوروبا، وأثر تلك المعاناة والظروف المحيطة بها السلبي عليهم، ما قد أدى إلى اتباع بعضهم سلوكيات متطرفة أحيانًا، سواء أكان هذا فكريًّا أم أخلاقيًّا.
يركز التقرير على الجانب السوري. فمنذ اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، ونشوب الحرب الأهلية المتعددة الأطراف والقوى السياسية بها، أصبحت سوريا ملجأ آمنًا للجهاديين والمقاتلين، وباتت ساحة قتال دفعت ما يُقدر بـ12 مليون سوري- أي نحو نصف سكان سوريا الأصليين- إلى الفرار من ديارهم.
وتوزع اللجوء السوري على الدول المجاورة لسوريا مثل: تركيا وتستضيف مليونًا و805 آلاف لاجئ، تليها لبنان بمليون و172 ألف لاجئ، ثم الأردن بمليون لاجئ وتليها بأعداد أقل دول مثل العراق حيث لجأ إليه 249 ألفًا، ومصر تستضيف 132 ألفًا، ودول شمال إفريقيا شكلت ملاذًا لـ24 ألفًا، وفقًا للأرقام التي قدمتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المعروفة اختصارًا بـ(UNHCR)، في حين يقدر عدد السوريين اللاجئين بالداخل السوري بـ7,6 ملايين، بمعنى آخر أصبح معظم الشعب السوري لاجئًا داخل وخارج وطنه.
هذا الفيض الهائل من حركة المهاجرين أحدث ضغوطاتٍ كبيرةً على البنية التحتية وقطاعي الصحة والتعليم وسوق العمل المشبع بالفعل في البلدان المضيفة، كما شكل عبئًا على إمدادات الطاقة وإضرارًا باقتصادات هذه الدول.
وكنتيجة لمعاناة معظم دول الجوار نقصًا في مواردها الاقتصادية، وعدم قدرتها على توفير احتياجات اللاجئين واستيعابهم حتى تستقر الأحوال في سوريا، وتتهيأ لهم فرص العودة، وفقدان هؤلاء اللاجئين الأمل وتعرضهم لظروف معيشية مروعة، اندفعوا بقوةٍ إلى مغادرة هذه البلدان، فرادى ثم جماعات، متجهين إلى أوروبا، فيما بدا لهم أن الذهاب إلى أوروبا قد يحميهم من ويلات الحروب الأهلية ومعاناة اللجوء إلى بلدان الجوار.
رحلة اللجوء إلى أوروبا بدت كسلسلة ممتدة من المآسي، حيث أوضحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن أكثر من 3700 من اللاجئين لاقوا حتفهم وهم في طريقهم إلى أوروبا، كما اعترضتهم مصاعب كثيرة أثناء محاولاتهم العبور من دولة لأخرى، وسط إغلاق حدود بعض الدول أو إقامة سياجات شائكة في وجوههم، ورصدت الصحيفة تشديد بعض الدول الأوروبية الرقابة على دخول اللاجئين، وخاصة بعد الأعمال الإرهابية التي وقعت على الأراضي الأوروبية، حيث تم ربطها بتدفق اللاجئين الذين اقترب عدد من استطاع منهم شق طريقه إلى أوروبا من المليون لاجئ، في أكبر موجة لجوء تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد حالة من الكراهية للأجانب يقودها بعض اليمينيين المتطرفين، كما تشهد القارة العجوز انقسامات بين دولها بشأن كيفية التعامل مع اللاجئين.
وأشار التقرير إلى أن ألمانيا تأتي في مقدمة الدول التي فتحت أبوابها على مصراعيها أمام حركة اللاجئين إلى أوروبا، واتبعت سياسات تخالف باقي دول الاتحاد الأوروبي، رغم ما حدث من أعمال إرهابية تعرضت لها دول أوروبية مثل فرنسا، ولكن رياح المتاعب الأمنية عصفت ببرلين عشية رأس السنة؛ حيث أثارت حوادث التحرش خلال احتفالات رأس السنة في محطة القطارات الرئيسية بمدينة كولونيا الألمانية، والتي رجحت السلطات ضلوع لاجئين في تنفيذها، موجات جديدة من التحريض والكراهية وجهت إلى منظمة بارزة للمسلمين وأخرى لمساعدة اللاجئين في ألمانيا.
وذكرت بيانات لشرطة كولونيا - استنادًا إلى روايات الضحايا وشهود عيان- أن نحو ألف شخص مخمورين من أصحاب ملامح «شمال إفريقية أو عربية» قاموا بالتجمع ليلة رأس السنة بساحة محطة كولونيا، وبدؤوا بإطلاق الألعاب النارية والإحاطة بمجموعات النساء المحتفلات والتحرش بهن وسرقتهن.
ولا تزال التحقيقات جارية لكشف ملابسات أعمال السرقة والتحرش الجنسي التي حدثت في مدينة كولونيا ليلة رأس السنة الجديدة، وقد وصل عدد الشكاوى المقدمة حتى الآن 553 شكوى، نسبة 45 في المائة منها مرتبطة باعتداءات جنسية. وبحسب معلومات نشرها الموقع الألماني «تسايت أونلاين»، نقلاً عن مصادر أمنية، فقد وصل عدد المشتبه بهم الذين تم تحديد هويتهم إلى 32 شخصًا، أكثرهم من المغرب والجزائر وتونس.
هذا الحادث المفزع أدى إلى تغير توجهات الشعب الألماني وسياسات الحزب الحاكم المتسامحة بشأن أزمة اللاجئين، حتى أن المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» قررت اتخاذ إجراءات صارمة ضد من تثبت عليهم تهم المشاركة في تلك الأحداث من اللاجئين.
وأعلنت أنها ستراقب الحدود الأوروبية بدقة، وستسعى لوقف حركة اللاجئين من مصدرها في سوريا بالعمل على وقف الحرب، فلم يعد ممكنًا الفصل بين أزمة اللاجئين ومخاطر التطرف والإرهاب.
وباستعراض الحقائق، وتحليل نتائجها، حاول القائمون على إعداد التقرير، تحديد الدافع الحقيقي لتطرف بعض هؤلاء المهاجرين، ومحاولة معالجته في ظل تنامي شبح الإرهاب حتى باتت أوروبا تعاني من ويلاته، وقد استعانوا في ذلك بمراجعة الأبحاث الأكاديمية التي درست تدفقات ضخمة للاجئين مسلمين من «الروهينغا» شهدتها بنغلاديش، واللاجئين الأفغان في باكستان وإيران، واللاجئين الصوماليين في كينيا، واللاجئين الروانديين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، واللاجئين الفلسطينيين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، واللاجئين الإريتريين في السودان، والعراقيين في الأردن وسوريا، وناقش التقرير كيفية تقليل التطرف وسط الدول الأكثر تعرضًا له.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا تتعالى الأصوات بهذه الكثافة لتتهم اللاجئين بالإرهاب والتطرف والتحرش؟ ولماذا لا تكون الدول هي الملومة أولاً لتقصيرها تجاههم؟ والإجابة عن ذلك تكشفها ملاحظات كتّاب التقرير، حيث أكّدوا أن النشاط الإجرامي أمر لا مفر منه في «المخيمات المكتظة والمعزولة جغرافيًّا» التي يُجبر اللاجئون على الإقامة فيها بشكل أساسي، ولكن هذا في حد ذاته لا يؤدي إلى التطرف.
يمكن أيضًا اعتبار أن سوء الأحوال المعيشية، ونقص الخدمات الطبية، وتدهور الخدمات التعليمية المقدمة للاجئين في الدول العربية والأوروبية، واتباع الكثير من الدول سياسة غلق الأبواب في وجه الهجرة القسرية، فضلاً عن مستوى العنصرية الموجودة في المجتمعات المضيفة أحد أسباب التطرف المحتمل لبعض اللاجئين، حيث تعمل الأحكام السابقة والراسخة مع وصول مجموعات جديدة ممن لهم خلفيات دينية أو عرقية أو اجتماعية مختلفة عن مواطني الدولة المضيفة، على فرض المزيد من العزلة وأعمال العنف الاجتماعية، فتنعكس بشكل سلبي صانعةً بيئة تسودها الكراهية ومعاداة المسلمين، وهناك مشكلة أخرى تتمثل في إصرار الدول المضيفة أحيانًا على أن تبقى مخيمات اللاجئين بعيدة عن أماكن التمركز السكاني بدعوى حمايتهم، وربما يتيح مثل هذا الخيار للدول المضيفة تجنب مضار احتكاك المجموعتين إحداهما بالأخرى، ولكنه أيضًا يُقيد قدرات الدول على الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل المخيمات نفسها.
ومن ثم، لا يشكل وجود عدد كبير من اللاجئين الشباب العاطلين عن العمل، ممن تتراوح أعمارهم بين أواخر سن المراهقة وأوائل العشرينات، تهديدًا في حد ذاته، مع الوضع في الاعتبار أنه أكثر عرضة للتطرف الذي تعززه بعض العوامل الأخرى، على سبيل المثال، «تداخل الجماعات السياسية المتطرفة والمسلحة مع المدنيين الهاربين منذ البداية، أو عن طريق منحهم صلاحية للدخول باعتبارهم جزءًا من جهود الإغاثة الإنسانية الرسمية للاجئين».
ويخلص التقرير إلى أنه كلما طال عزل اللاجئين في المخيمات، وقلت احتمالية حل الأزمة السورية بشكل سريع زادت خطورة التطرف، وتضاءل التزام الدول المضيفة بوعدها، الأمر الذي يعززه تحذير الأمم المتحدة من أنّ ما يقرب من مليوني لاجئ تحت سن الـ18 يواجهون خطر أن يصبحوا جيلاً ضائعًا، لافتقار العديد منهم إلى التعليم والتوظيف.
ووفقًا لصندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة والتعليم (اليونيسيف)، يفتقر مئات الآلاف من الأطفال السوريين إلى التعليم، حيث يوجد نحو مليوني طفل داخل سوريا خارج المدارس، بينما ما يقارب الـ700,000 طفل (مما مجموعه 2 مليون) خارج البلاد لا يتم تعليمهم، كما تضررت أو دُمرت آلاف المدارس والأماكن التي تقطنها العائلات النازحة، بالإضافة إلى ذلك، قد يصبح أكثر من 100,000 طفل سوري لاجئ ممن ولدوا في المنفى بلا جنسية، فضلا عن العواقب الوخيمة التي تلقي بظلالها على مستقبل سوريا بعد الحرب.
ولا بُـدَّ من إيضاح نقطة مهمة قد أثارها التقرير، وهي أن قلق الحكومات الرئيسي يأتي من احتياج اللاجئين إلى المساعدة، بالإضافة إلى نقص فرص تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وعدم توفر الأموال اللازمة لإعادة اللاجئين إلى أوطانهم عندما تسمح الظروف بعودتهم، والحقيقة أن هذه الدول تتغافل عن المشكلة الجديرة بالاهتمام وهي حالة عدم الاستقرار الداخلي وصراع الهويات النابع من الدين والمذهب والعرق، وتباعد المصالح، وعدم القدرة علي تحقيق التوافق بين الآراء والمصالح في إطار الدولة الواحدة. ومع استمرار النظر إلى مثل هذه الأحداث على أنها صراع على السلطة يجب إنهاؤه من قبل الأطراف المتنازعة أنفسها، لن يتم الوصول إلى حل حقيقي ينهي هذه الأزمة، والواجب النظر إلى تدفق اللاجئين إلى أوروبا كمؤشر على عدم تقبل السوريين لتنظيم «داعش» الذي يروج لنفسه باعتباره ملاذًا آمنًا للمسلمين، واستغلال ذلك في توحيد الجهود للقضاء عليه، لا اتباع سياسة رفض اللاجئين التي من شأنها أن تقدم هدية للتنظيم، فبدون استقرار الأوضاع بالمنطقة ستزداد الأوضاع سوءًا ولن تنتهي أزمة اللاجئين، وخير دليل على ذلك بقاء اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم منذ ستة عقود تقريبًا.





كلمات دالة

aak_news