العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الصفاء النفسي.. لماذا افتقدناه اليوم؟!

بقلم: السيد حيدر رضي

الجمعة ١٢ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



يعاني الكثيرون اليوم في ظل أجواء المدنية المعاصرة من حالات الارتباك النفسي والقلق والشد والجذب العصبي والنفسي، مما أثر بشكل كبير على ما يسمى حالة الصفاء النفسي التي ينعم بها الإنسان.
والصفاء النفسي كما عليه أهل الاختصاص «خلو النفس والعقل من المنغصات»، ويتطابق ذلك كثيرا مع حالة ما تسمى «الصحة النفسية».
وربما يعتقد الكثيرون أنه ليس الصفاء النفسي بالاصطلاح العلمي الذي درج عليه علماء النفس والأطباء النفسيون، إنما يتعدى ذلك ليشمل حالة السكينة الروحية كما في حالة السماء الصافية الخالية من الغيوم.
والحق أنه ليس في الوجود من نعمة جميلة وعظيمة مثل أن يستمتع الفرد منا بنعمة الصفاء النفسي.
وأكثر ما ينغص حياتنا وسعادتنا مثل الهموم والغموم، وهي حالات من الشعور متراكبة وقد تكون وليدة لمؤثرات أخرى كالخوف والقلق والوساوس والاكتئاب واللهفة والضيق والحرص والأنانية وغيرها. (انظر موقع www.arabna.info).
وقد تكون الهموم والغموم نتيجة عرض ما أو محصلة بين الذات وتحقيق ما يصبوا إليه الإنسان وتعرضه للعقبات من دون تحقيق ذلك أو الوصول إلى المثالية، وقد يعبر عنه بالتعبير الأدق لحالة الإحباط!
هل العالم يعيش غياب الصفاء النفسي؟ وهل تشيع فيه الأمراض النفسية والعصبية والعقلية؟! ترى ما أسباب الزيادة الهائلة لهذه الاضطرابات؟ وهل أثرت المدنية والحضارة الجديدة في نشأة وزيادة هذه الأمراض؟
بحسب تقديرات عالمية فإنّ الاضطرابات النفسية تصيب أكثر من نصف سكان العالم، فـ 7% يعانون من الاكتئاب النفسي و1% الفصام، و3% الوسواس القهري، وثلث البشر مصابون بالقلق!
وأشارت دراسات معمقة بهذا الشأن إلى وجود نسب متفاوتة في كل بقعة من العالم، وأي مجتمع من المجتمعات من هذه الأعراض والاضطرابات، بل ثبت وجودها في المجتمعات البدائية.
وبينت إحصاءات صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن تزايد وتيرة انتشار هذه الأمراض نتيجة عوامل شتى منها نفسية ووراثية وبيئية واجتماعية وبيولوجية ولظروف المدنية والحضارية ولعوامل أخرى متعددة.
وأشارت دراسات عربية بهذا الشأن إلى النظرة السلبية لدى الناس لهؤلاء المرضى مما قد يسبب لهم زيادة في المتاعب وعزلتهم عن المجتمع وكثير من الناس ينفرون من المرضى النفسيين ولا يتقبلونهم. (راجع: العالم يعيش عصر الأمراض النفسية، د. لطفي الشربيني».
في وطننا العربي شكلت أمراض وعوارض الاكتئاب والأرق والكوابيس والعدوانية والوساوس والاغتراب ونقص واحتياج الحنان والتغييب والتعصب وفشل العلاقات والاختلاف العدواني في الآراء، والغرور وضعف الذاكرة والتشتت، هي الأعلى عشرة انتشارا وشهرة.
وبحسب التفاسير العلمية لمسببات أكثر الأمراض شهرة الاكتئاب، فإنه يعزوه الكثيرون إلى خلل في كيمياء الدماغ ونقص هرمون السعادة الستيرونين، ونظريات في نقص المواد بالجسم كالمعادن وبعض الفيتامينات. وقد يبدو أنه عوامل أكثر من نقص السيرويتنين أو المعادن أو الفيتامينات وراء ذلك، قد تكتشف بالتقدم العلمي.
ومن الطرائف في هذا الحقل، المحاولة التي قام بها أحد الأطباء في مدينة ميامي بأمريكا، حيث إنَّه أوضح أنَّ هناك ثمة علاقة قوية بين اكتمال دورة القمر وأعمال العنف لدى البشر، حيث اتضح له من التحليلات والإحصاءات البيانية التي حصل عليها من السجلات في مراكز الشرطة والمستشفيات وربط تواريخها بالأشهر والأيام القمرية، أن معدلات الجرائم وحالات الانتحار وحوادث المركبات البليغة والقاتلة مرتبطة بكمال دورة القمر، كما أن الأفراد المرضى النفسيين والذين يعانون من عدم استقرار نفسي والمصابين بالاضطرابات النفسية ومرضى ازدواج الشخصية وكبار السن، هم أكثر عرضة للتأثر بضوء القمر، كما بينت دراسات أن أكبر نسب طلاق ومخاصمات وشجارات عنيفة قد تكون قد حدثت عند منتصف الشهر عند اكتمال القمر.
أخذ الطبيب يجول في فكره ويقارن استنتاجاته والتي منها تأثير البحار والمحيطات بالقمر، بعملية المد والجزر، ولربما هذه العملية قد تؤثر في الإنسان لكون أكثر من ثلثه ماء ومنها الدم، ولعل في حقل الدراسات العلمية المستقبلية سوف نرى ما يثبت أو ينفي هذا الزعم العلمي. (انظر: www.iraqkhair.com).
وأكثر منغصات الصفاء النفسي، الأخلاق الرذيلة المهلكة كالحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، فكثير منا ما تكون له ردود أفعال تجاه الغير ويكون في حالة صراع داخلي مرير لربما يفقده صوابه وينتزع منه حالة السكينة والهدوء من دون أن ندرك أن الصفح والتسامح والتجاهل والنسيان وغض الطرف هو الأسلم والأنجح في مثل هذه الظروف.
ومن أكثر جالبات الصفاء النفسي، المودة والتراحم بين الناس والحب والاستماع إلى الآخرين، فهي إذا ما توافرت فينا وفرت علينا كل ما يحدث من مشاحنات نفسية بداخلنا، وهي تعمل بمثابة الدافعة للمعنويات المزيلة للجوانب السلبية الجالبة للفرح والسرور والمضادة للحزن والتوتر، والداعمة للتمتع بصفاء نفسي.
والإسلام يحرص كل الحرص على البناء النفسي القوي للمسلم، وتأتي تشريعاته المتكاملة في العبادات والأخلاق والتربية لتصب في بناء الشخصية القوية المؤمنة.
وتشريعاته ونظمه وعباداته هي علاج نفسي وروحي -وما أجمله وأنجحه من علاج- فقد أثبتت دراسات أن ذكر الله والصلاة والصوم والزكاة والصدقات والحج وفعل الخير والبر والإحسان وصلة الرحم والاستغفار والتوبة من أكثر جالبات الهدوء والسكينة وطاردات للحزن والهم والغم والقلق والمثبتات لاستقرار نفسي طويل الأمد.
فالصلاة مثلا علاج شامل عضوي ونفسي، بل صيدلية شاملة ملأى بالعقاقير الروحية لشتى الأمراض النفسية وضروبها المتنوعة، وهي ليست علاجا فقط بل مصدرا لقوة نفسية ولصحة نفسية ولصفاء نفسي.
يقول ابن القيم في الطب النبوي: والصلاة مجلبة للرزق.. حافظة للصحة، دافعة للأذى مطردة للأدراء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة.
والدعاء مخ العبادة، وهو ملجأ العبد إذا ضاقت به الدنيا يجد راحته وسعادته بالتضرع إلى الله وطلب المغفرة والرحمة، وبالتالي يتحقق للإنسان السعادة بالرضا والتوكل على الله وحده.
وكان الإمام علي بن الحسين عليه السلام زين العابدين وسيد الساجدين يكثر من الدعاء في جوف الليل، ووقت السحر يناجي ربه ويدعوه، فيقول «إلهي كسري لا يجبره إلا لطفك وحنانك، وفقري لا يغنيه إلا عطفك وإحسانك، وروعتي لا يسكنها إلى أمانك، وذلتي لا يعزها إلا سلطانك، وأمنيتي لا يبلغني إياها إلا فضلك، وحاجتي لا يقضيها غيرك، وكربي لا يفرجه سوى رحمتك، وضري لا يكشفه غير رأفتك.. إلهي ارحم عبدك الذليل، ذا اللسان الكليل والعمل القليل وامنن علي بفضلك الجزيل واكنفه تحت ظلك الظليل، يا كريم يا جميل يا أرحم الراحمين».
وعلى هذا الأساس فإنّ الإحصاءات تشير إلى قلة أو ندرة الإصابة بالاضطرابات النفسية بين المتدينين وتكاد حالات التفكير بالانتحار أو إنهاء الحياة بينهم معدومة.
وتشهد الخدمات الطبية النفسية في البحرين تطورا ملحوظا ومتسارعا منذ نشأة هذه الخدمات في مملكة البحرين.
ويعد الآن وبحق، مستشفى الطب النفسي في البحرين كأفضل مستشفى رائد في البلدان العربية نظير ما يقدمه من خدمات متطورة ووجود جميع الأقسام التخصصية الشائعة وإدخال عيادات الإدمان وإدخال التخصصات الفرعية في حقل الطب النفسي وعيادات نفسية للأطفال والناشئة مما يدلل على وجود الجودة الشاملة لما يقدم من خدمات.
ومملكة البحرين سباقة بنشأة المؤسسات النفسية، ففي عام 1930 اقترح المجلس البلدي على حاكم البحرين آنذاك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين بإيجاد دار لإيواء المرضى النفسيين، والتي قامت البلدية في عام 1932 باستئجار دار صغيرة بالمنامة مقابل مدرسة عبدالرسول التاجر سميت بـ(دار المجانين) وكانت تتسع لـ 12 مريضا من الرجال و2 للنساء، إلى أن انتقلت إلى الموقع الحالي في عام 1937 وأعيد تسميتها إلى مستشفى الأمراض العقلية والعصبية في عام 1967.
ودائما ما يرشد الأطباء والمختصون لمرضاهم بهذا الشأن إلى أنه مع الأدوية والعقاقير التي قد تكون واجبة ومطلوبة في كثير من الأحايين فقد ثبت أن المرض النفسي حالة كحال الأمراض العضوية مثل الضغط والسكري والذي يحتاج إلى دواء لمدد قد تكون طويلة بحسب الحاجة فإنه يرشد ومع ذلك فإنّ ممارسة الرياضة والمشاركة الاجتماعية والبر والإحسان وصلة الأرحام وبر الوالدين وتحقير فكرة القلق والوساوس، والصلاة والعبادة والسفر والتنزه بالحدائق وغيرها من السبل والوسائل الداعمة للعلاج أو ما يسمى بالعلاج الذاتي والذي يكمل دورة العلاج الدوائي والذي يعطي النتائج المأمولة والمثلى. هذا والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
S-HAIDER64@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news