العدد : ١٦٣٨٧ - الجمعة ٠٣ فبراير ٢٠٢٣ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٧ - الجمعة ٠٣ فبراير ٢٠٢٣ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

برزاني يدشن بداية تقسيم العراق



بإعلانه الدعوة لإجراء استفتاء حول «تقرير المصير» و«استقلال» الإقليم عن العراق، يكون رئيس إقليم كردستان العراق مسعود برزاني قد جاهر بفتح صفحة مهمة من صفحات مشروع تقسيم العراق الذي باشرت قوى دولية مختلفة في تنفيذه بدءا من إخراج الإقليم عن سلطة الدولة المركزية العراقية إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين تحت حجة «المناطق الآمنة» التي استمر العمل بها حتى الإطاحة بالنظام إثر جريمة الغزو التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون والتنسيق مع قوى إقليمية ودولية، فتقسيم العراق يعد هدفا أساسيا من أهداف الغزو وتطلب قبل كل شيء، إضعاف قبضة السلطة المركزية على كامل التراب العراقي.
فسلطات الغزو ومنذ اللحظات الأولى لإسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين واحتلال بغداد والإتيان بالحكام الجدد من مختلف عواصم العالم لجأت إلى تحطيم أهم جهازين مؤهلين وقادرين على حماية وحدة التراب العراقي وسيادته، وهما الجيش والأجهزة الأمنية، وبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الذي يدير البلاد في بغداد، أو في أي دولة أخرى، فإنّ هذين الجهازين لا يمكن لأي دولة حريصة على حماية سيادتها أن تستغني عنهما، وهذه الحقيقة يعرفها الغزاة جيدا لذلك لجأت سلطات الاحتلال الأمريكي إلى حلهما مما خلق فراغا كبيرا مكن القوى التخريبية والانفصالية من العيث تخريبا في السيادة العراقية.
في دعوته المذكورة شدد برزاني على أن «الظروف الحالية مواتية جدا لطرح هذه القضية»، وهو يعني بالتأكيد الظروف التي يمر بها العراق والمنطقة المحيطة بشكل عام، فالعراق لم يعد قادرا على بسط سيادة الدولة على كامل أراضي العراق فيما تعاني جارته سوريا حيث توجد أقلية كردية كبيرة، تعاني من حرب أهلية شرسة تداخلت فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية تحت ذريعة «نصرة» الشعب السوري، وهي ظروف تخدم مشروع البرزاني الهادف إلى فصل الإقليم عن الوطن الأم وتحقيق حلم الدولة الكردية المستقلة.
إعلان برزاني إجراء استفتاء، قال عنه إنه غير «ملزم» حول تقرير مصير الأكراد في شمال العراق، لن تكون تداعياته محصورة داخل الحدود الجغرافية للعراق، كما أن آثاره السلبية لن تطول هذه الحدود فقط، فالشعب الكردي موزع في الثلاث دول المحيطة بالعراق وهي إيران وتركيا وسوريا، وإذا كان المركز السوري يعاني الضعف في الوقت الحاضر بسبب حرب التدمير التي تواجهها الدولة السورية على مدى خمس سنوات، فإنّ الدولتين الأخريين، وهما إيران وتركيا لا تعانيان من هذا الضعف، لكن أكرادها يتطلعون إلى نفس الحقوق التي يسعى أشقاؤهم في العراق إلى نيلها.
العلاقات بين حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة إقليم كردستان العراق تمر بأحسن حالاتها، والحكومة التركية، من منطلق الانتهازية السياسية، أقامت علاقات مباشرة مع الإقليم متجاوزة الحكومة المركزية في بغداد بهدف الاستفادة من الخلافات بين المركز (بغداد) والإقليم، ورغم أن أنقرة مع إضعاف مركز الحكم في العراق وأن من مصلحتها إبقاء العراق مشغولا بمشاكله الداخلية وغير قادر على القيام بدوره لحماية سيادته الوطنية، فإنه من غير المتوقع أن تدعم أنقرة طموح برزاني في إقامة دولة كردية في شمال العراق.
فإقامة مثل هذه الدولة الكردية سوف ينعكس على الأوضاع الداخلية في تركيا نفسها وخاصة أن أكرادها يعانون قمعا وتهميشا شديدين مما اضطرهم إلى مقاومة الحكم التركي وحمل السلاح في وجه الحكومات التركية المتعاقبة وبالتالي فإنّ من شأن استقلال أشقائهم في شمال العراق أن يعطيهم الحافز لمقاومة السطوة والتسلط التركي، بل ربما يرفع من سقف مطالبهم والتي بقيت حتى الآن في إطار المطالب الحقوقية المشروعة في إطار الوطن الأم، فأكراد تركيا لم يرفعوا مطلب الانفصال عن أنقره، وما ينطبق على أكراد تركيا سنجد صوته يتكرر أيضا لدى أكراد إيران، فهي ايضا لا تريد أن تفتح شهية أكرادها نحو هدف أشقائهم أكراد العراق.
في الوقت الحاضر، فإنّ الرفض والمقاومة التركية والإيرانية لمسعى برزاني نحو إقامة دولة كردية شمال العراق، سيشكل العقبة الأكثر صلابة ومناعة في وجه هذا المسعى، فالمقاومة التركية والإيرانية لن تكون رخوة ليس حبا في العراق ولا دعما لسيادته ووحدة أراضيه، وإنما لأنّ الأمر يتعلق بسيادة ووحدة أراضي الدولتين (تركيا وإيران)، فهما لن يسمحا لأكرادهما أن يرفعا تحت أي ظرف من الظروف من سقف مطالبهم للوصول إلى مستوى سقف أكراد العراق.
فانفصال شمال العراق عن الوطن الأم وإقامة دولة مستقلة للأكراد في هذا الجزء من العراق، لا يتحقق لمجرد إجراء استفتاء بين سكان الإقليم وما حدث مع جنوب السودان يعد حالة استثنائية وتمت بالتوافق بين الخرطوم وجوبا، وهذا التوافق غير موجود في الحالة العراقية، حيث ترفض الحكومة المركزية وغالبية الشعب العراقي من جميع الأعراق والأديان والمذاهب تقسيم البلد وتجزئته إلى عدة دويلات، أضف إلى ذلك أنّ الإرادة الإقليمية والدولية لها تأثيرها الحاسم في هذه المسألة، ومع ذلك نقول إن هدف تقسيم العراق وغيره من دول المنطقة يبقى حاضرا في أذهان مخططي الاستراتيجية الجيوسياسية الجديدة.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//