العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

المتقاعدون المنسيون؟!

بقلم: عبدالإله بن سعود السعدون

الأربعاء ١٠ فبراير ٢٠١٦ - 03:00



مع آخر يوم عمل يقضيه المرشح للتقاعد يشرع للملمة أوراقه الخاصة من مكتبه الذي لازمه سنين حياته العملية الطويلة الممثلة لمرحلة حياة الشباب والنضوج والعطاء بكل ذكرياتها الحلوة والمرة.
لتبدأ المرحلة المجهولة والقلقة ومعها تبدأ التأثيرات البيولوجية والنفسية على أيامه القادمة، والتي عندنا في الشرق العربي نصف من دخل محيط هذه الحياة الجافة بـ(إحالته إلى التقاعد) بجملة (مت قاعدا) أي انتقل إلى الرفيق الأعلى وأنت جالس!
ومع صباح اليوم الأول للتقاعد تبدأ حالة الذهول والكآبة والنسيان، ذهب المنصب والمكتب وتجمد المورد المالي والامتيازات من بدل السكن والتنقل حتى التأمين الصحي أوقف تمتعه بخدماته، والأهم من كل ذلك أنه بقي وحيدًا وابتعد عنه كل منافقي المنصب. وخرج من لائحة العمل المتطورة الخاصة بالمؤسسة التي كان يعمل بها بالأمس ليدخل مجبرًا محيطا غريبًا عليه التقاعد ذلك النظام القديم الذي كتب في القرن التاسع عشر وبقي في سبات أهل الكهف - مع تطور طفيف- إلى يومنا هذا.
في خليجنا العربي المتقاعد مدنيًّا كان أم عسكريا يعيش حالة من النسيان والكآبة بعيدًا عن حركة المجتمع الذي يعيش بداخله...ففي حالة متقاعد عسكري برتبة معينة منذ خمسة عشر عامًا يتقاضى ابنه اليوم حين بلوغه لرتبة والده ضعفين ونصف دخل والده التقاعدي...
والموظف المدني في الشركات الخاصة والذي يخضع لنظام التأمينات الاجتماعية تجمد مرتبه منذ إحالته إلى التقاعد حتى يومنا هذا وكأن الظروف المعاشية لاقتصادنا قد تجمدت معه.
و مما يزيد الطين بلة أن الأنظمة المالية والبنكية تزيد عليه همومه وتضيق عليه دائرة الحاجة والعوز المادي وتدفعه قسرًا لطلب المعونة المقلة لكرامته كمواطن له حقوق وعليه واجبات نحو مجتمعه.. مثلاً يتقدم المتقاعد كغيره من أشقائه المواطنين إلى البنوك التجارية طالبًا قرضًا تمويليًا ليعلم ابنه أو لترميم بيته أو لعلاجه في المستشفيات من آلام الأمراض التي رافقته بشوق منذ الأيام الأولى لدخوله في دائرة التقاعد...ويأتيه الرد القاسي من إدارة البنك بالاعتذار عن منحه القرض النقدي لتعديه سن الخامسة والستين التي حددها النظام النقدي وذلك لخطورة عملية استعادة اقساط القرض، وكأن لسان حال البنوك يقول للمواطن المتقاعد انك أقرب إلى القبر من الحياة. بحسب تعليمات مؤسسات النقد والبنوك المركزية الخليجية.. وأترك للمسؤولين في هذه المؤسسات إدراك التأثير القاسي والمؤثر على نفسية المتقاعد ونسوا أن الأعمار بيد الله سبحانه.
والمصيبة الأخرى التي تواجه المواطن المتقاعد امتناع شركات التأمين الطبي من شموله ببوليصة التأمين للعلاج في المستوصفات والمستشفيات المتعاونة معها، وسبب هذا الهروب من المواطن المتقاعد بلوغه آخر العمر بحسب تصنيفهم وهي المرحلة التي يحتاج فيها الشيخ المتقاعد إلى العناية الصحية لتوطن الأمراض المزمنة في جسده وأشهرها الثلاثي القاتل السكر والضغط والكولسترول، والمصيبة الكبرى أن مؤسسات التقاعد هذه تملك استثمارات ضخمة في مستشفيات خاصة بها يحرم المستفيد المتقاعد من خدماتها...
في الدول التي تهتم بمواطنيها المتقاعدين ومثالها - ليس على سبيل الحصر - اليابان وسنغافورة والسويد تقدم للمتقاعد امتيازات أكثر من الشباب العاملين مثل إعفاء مرتبه التقاعدي من الضرائب مع بطاقة تأمين صحي شاملة ومدى الحياة لكل المؤسسات الصحية في الدولة مع خصم 50% من قيمة تذاكر السفر الجوية والبحرية والبرية. مع التزام المؤسسة التي كان يعمل بها بتشغيله بمسمى مستشار ويخصص له مكتب مؤثث ويشارك مدة ساعتين يوميًا في فعاليات تلك المؤسسة – وفق تخصصه - ومنح أبنائه الأفضلية في العمل بالمؤسسة التي تقاعد فيها، وفي كل عام تخصص جمعية المتقاعدين رحلة سياحية بالتعاون مع شركات السياحة الوطنية ينضم لها المتقاعد الراغب بالسفر وبأسعار خاصة.. كما يمنح المتقاعد بطاقة اشتراك في النوادي والمنتجعات الحكومية مجانًا، وله (الأفضلية) في الحصول على القروض الشخصية وبدون فوائد!!
وقد بالغت الدولة اليابانية في تدليل المتقاعد لحمايته من الكآبة والفراغ بإنشاء جامعة خاصة للمتقاعدين ليقدموا من خلالها دراساتهم وبحوثهم والانخراط بدورات تدريبية من أجل خدمة المجتمع......!
أنظمة التقاعد في دول خليجنا العربي بحاجة ماسة إلى امتداد يد الإصلاح والتطوير لها تمشيًا مع نهضة العهود المباركة التي رفعت من حالة الأداء الشامل في المؤسسات الحكومية والخاصة علمًا بأن شريحة المتقاعدين تمثل نسبة عالية من مجتمعنا الخليجي.
ولا أبالغ حين القول إن العائد التقاعدي الشهري لا يسد الاحتياجات الضرورية للعائلة المتوسطة الخليجية، وسيف الديون وفواتير الخدمات العامة ينزل جارحًا على رقاب المتقاعدين كل شهر.
ويعيش المتقاعد حالة من الملل والكآبة والضياع تؤدي بتفاعلها المستمر على مستقبل عائلة المتقاعد لارتفاع التقاطعات المستمرة لنمط عيش تلك العائلة بعد بقاء عائلها أطول مدة في البيت. ويصف هذه الحالة الاقتصادي الأمريكي مالكوم فوربس ناشر مجلة فوربس الشهيرة ببحث نشر في المجلة بعنوان (التقاعد يقتل أكثر من العمل الشاق).
المواطن المتقاعد يمثل مرحلة تكامل الخبرات المهنية والعلمية لأجيال المستقبل ومن أجل تطوير الأداء الوظيفي للمجتمع بأكمله ولا بُـدَّ من تفعيل ثقافة الاستفادة من طاقات المتقاعد في مجال خبرته المهنية والعلمية وفي كل المجالات الإنسانية الأخرى فالعمل للمتقاعد علاج وإنتاج ولا بُـدَّ أن تضع جمعيات المتقاعدين الخليجية استراتيجية خاصة للاستفادة من الطاقات والخبرات المختزنة لدى المواطن المتقاعد لتحويله من حالة الميت القاعد إلى المواطن المنتج المشارك في دورة خدمات مجتمعه المتعددة ونقله من خانة الاستراحة المترهلة وزاوية النسيان إلى العمل المثمر ولو كان قاسيًا ففيه متعة الأداء والواجب الوطني ويجسد ذلك قول مشهور للمفكر البريطاني جورج برنادشو بقوله {الحياة المليئة بالعمل أكثر نفعًا وجدارة بالاحترام من حياة فارغة من أي عمل}.
أتمنى على مجالس الشورى في دول خليجنا العربي تحديث نظام التقاعد بشقيه التقاعد الحكومي والتأمينات الاجتماعية بما يتلاءم مع التطور الهائل الذي توليه المجتمعات المتقدمة في العالم للمتقاعد من امتيازات متعددة لإعادة تأهيله لخدمة مجتمعه، وإنقاذه من حالة الشعور بأنه مواطن منتهي الصلاحية..

* عضو هيئة الصحفيين السعوديين
عضو الهيئة التأسيسية للحوار التركي العربي
عضو منتدى الفكر العربي.
abdulellahalsadoun@gmail.com





كلمات دالة


//