العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الوزيران يطرقان الوتر الحساس



نتمنى، رغم أن ما نتمناه يعد مطلبا ثابتا في كل المواقف السابقة من قضية التأجيج الطائفي في بلادنا، نقول: نتمنى أن يكون اللقاء الذي جمع وزيري التربية والتعليم والعدل والشؤون الإسلامية مؤخرا والذي تركز الحديث خلاله حول دور مؤسسات التعليم الديني في التصدي للتطرف والتحريض الطائفي، أن يكون هذا اللقاء هو حجر الأساس لإجراءات عملية ملموسة على الأرض في اتجاه تحقيق الهدف المعلن من وراء هذا اللقاء، وأن تستمر اللقاءات بين الوزيرين وغيرهما ممن لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه القضية الحساسة والخطيرة التي تهدد تماسك المجتمع البحريني بجميع مكوناته العرقية والدينية والمذهبية، ذلك أن مجتمعنا كغيره من المجتمعات يتعرض الآن لواحدة من أخطر التحديات في تاريخه، وهي آفة الطائفية والتطرف التي تغزو مختلف الدول العربية والإسلامية بالدرجة الأولى.
الوزيران ومن خلال ما صدرت عنهما من تصريحات بعد اللقاء أكّدا على «احترام الخصوصية المذهبية ومراعاة الثوابت التي يقوم عليها كل مذهب في إطار من الشفافية والانفتاح على الجميع والابتعاد عن التطرف الفكري والتحريض على العنف والكراهية الطائفية»، فهذه التوجهات التي صدرت عن الوزيرين يجب تحويلها إلى ثوابت وطنية غير قابلة للتجاوز إذا كنا حقا نريد أن نوفر الحماية لمجتمعنا في وجه تصاعد موجات التأجيج الطائفي وخطاب الكراهية الذي خرج من قمقم شباك التواصل الاجتماعي إلى العلن، بل والأخزى من ذلك أن يطلق من على منابر دور العبادة التي يفترض أن تكون منابر بناء وإصلاح وتنوير.
ما نتمناه، بل ونطلبه من الوزيرين هو وضع هذه التصريحات في قالب عمل ثابت قابل للاستمرارية وليس مجرد ردة فعل على الحالة الماثلة أمامنا والتي يشهد الجميع على ترديها وخطرها على تماسك مجتمعنا البحريني الذي عرف عنه الألفة والتسامح والتآلف على مدى عدة قرون، فالآفة الطائفية لم تطفح على سطحنا الوطني إلا في السنوات الأخيرة، هي ربما موجودة في حدود غير خطيرة، لكنها في نفس الوقت منبوذة اجتماعيا ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل أن تجد من يتباهى بالخطاب الطائفي أو يؤيده، على عكس ما نراه الآن من تفاخر بإطلاق هذا الخطاب والتأجيج ضد هذا المكون الديني والمذهبي أو ذاك.
ليست لدينا أي شكوك في النوايا الصادقة للوزيرين من قضية التطرف الفكري والتأجيج الطائفي، كذلك الحال بالنسبة للموقف الرسمي من هذه القضية الخطيرة التي لا تهدد مكونا واحدا من مكونات شعبنا، وإنما تهدد الشعب بجميع طوائفه وأعراقه والوطن برمته، فوزارة العدل والشؤون الإسلامية سبق لها أكثر من مرة أن حذرت خطباء الجوامع والمساجد من بث أي شكل من أشكال خطب التأجيج الطائفي، ولكن مع الأسف فإنّ هذا الخطاب ظل مستمرا من دون أن يكون هناك إجراء عملي وفعلي لوقفه من جانب الوزارة وقد كتبنا عن ذلك في أكثر من مناسبة، ونكرر هذا الموقف والطلب الآن بهذه المناسبة.
فنحن، ومن أجل التصدي الحقيقي لخطاب التطرف والطائفية، بحاجة إلى إجراءات وقانون صريح يجرم مثل هذه الممارسة، فهذا الخطاب هو في تصاعد مستمر وخاصة في الآونة الأخيرة مع ارتفاع وتيرة الصراعات ذات الصبغة المذهبية والدينية في دول ليست بعيدة عنا، مثل العراق وسوريا حيث نجد صدى تلك الصراعات بين مفردات العديد من الخطب والكتابات التي يعج بها العديد من المواقف والمنابر، ويتبناها كثير من القنوات الفضائية التي تعد اللاعب الأخطر في هذا الحقل نظرًا إلى المساحة الجغرافية والسكانية التي يغطيها البث، والتي تساهم بشكل سيئ جدا في توتير العلاقات المجتمعية بين مختلف المكونات، وتعد مزودا فكريا للتطرف لا يقل خطورة وتأثيرا عن دور المدارس الدينية.
فخطاب التطرف الفكري هو البداية العملية والحقيقية للتطرف العنفي، وما نشاهده الآن من ظهور وسطوع نجوم الجماعات الإرهابية المتطرفة وما تقترفه من جرائم بشعة بحق الآمنين في المساجد والمآتم والأسواق والجامعات وغيرها من أماكن التجمعات العامة، لم يأت من فرغ وإنما جاء من خلال الحاضنة الفكرية المتطرفة التي غرست في عقول منفذي هذه الجرائم مثل هذه الممارسات التي لا تمت للإنسانية ولا للأديان بأي صلة، والمدارس الدينية لها دور رئيسي وحاسم في ذلك، فحركة «طالبان» الأفغانية المتطرفة خرجت من رحم هذه المدارس في باكستان ومن رحم «طالبان» خرجت حركات متطرفة وإرهابية أخرى.
فالمشكلة والخطر الذي تواجهه شعوبنا، ومنها بطبيعة الحال شعبنا البحريني، ليس في وجود التعدد والتنوع العرقي والديني والمذهبي، فهذه الفسيفساء الجميلة موجودة منذ الأزل ونجد صورتها في جميع شعوب العالم تقريبا، وإنما المشكلة تكمن في عدم القبول بالآخر المختلف عرقيا أو دينيا ومذهبيا، بل واستهدافه أيضا، كما يحدث الآن من خلال العمليات الإرهابية التي تقع هنا وهناك، فمعظم هذه العمليات ذات طابع ديني أو مذهبي وخاصة تلك التي تستهدف دور العبادة من كنائس وجوامع ومآتم، وهذا ما كان ليحدث لو لم يكن هناك فكر متطرف ودعوات تحريضية ذات صبغة دينية أو مذهبية تطلق عبر مختلف المنابر الدينية منها وحتى السياسية.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//