العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٢ - الجمعة ٠٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

أبعــد مـن زيــارة مسـجــد



الرئيس الأمريكي أوباما قام، وللمرة الأولى منذ توليه السلطة، بزيارة لمسجد في بالتيمور، وألقى خطابا في المسجد.
لا شك أن الزيارة تعتبر بادرة إيجابية مهمة، وهي موضع تقدير.
مفهوم ان الزيارة جاءت بسبب التصريحات والمواقف الفاشية، التي عبر عنها مرشحون جمهوريون للرئاسة من امثال ترامب وغيره، من الاسلام والمسلمين. وهي المواقف التي اشعلت موجة غير مسبوقة من الكراهية والعداء للاسلام والمسلمين الأمريكيين، وقادت الى هجمات واعتداءت واسعة تعرض لها المسلمون الأمريكيون وأثارت في اوساطهم حالة من الخوف الشديد.
في هذا السياق، تعتبر الزيارة في حد ذاتها رسالة مهمة من الرئيس الى الساسة والمجتمع الأمريكي عموما، بأن هذا الخطاب المقيت ضد الاسلام والمسلمين الأمريكيين مرفوض وينبغي له ان يتوقف.
وهذا هو ما أكده اوباما في خطابه في المسجد، اذ ندد بهذا الخطاب الكريه «الذي يخلط بين اعمال ارهابية وديانة بأكملها»، واعتبر ان هذا الخطاب «لا مكان له في امريكا»، وخاطب المسلمين الأمريكيين قائلا: «انتم لستم مسلمين او امريكيين، انتم مسلمون امريكيون، وليس عليكم الاختيار بين ايمانكم ووطنيتكم».
اذن، الزياة في حد ذاتها وما قاله اوباما في خطابه هي بادرة مهمة، وسيكون لها تأثير بلا شك في ردع هذا الخطاب الفاشي، وفي طمأنة المسلمين الأمريكيين.
ومع هذا .. مع كل التقدير للزيارة، فإن الكل يعلم ان التصدي لما يتعرض له المسلمون الأمريكيون من حملة شرسة من الكراهية والعداء والاعتداءات الفعلية، يتطلب ما هو اكثر بكثير من مجرد زيارة لمسجد.
الكل، في داخل امريكا وخارجها، يعلم ان «الاسلاموفوبيا» في امريكا، أي ظاهرة الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين، وصلت منذ سنوات طويلة الى حد خطير من التفاقم، ويعلم ان أسباب وجذور هذه الظاهرة ابعد واعمق بكثير من تصريحات فاشية اطلقها ترامب وامثاله. بل ان ترامب نفسه هو بمعنى من المعاني نتاج لترسخ هذه الظاهرة.
وخلال السنوات الماضية، صدرت في امريكا عشرات التقارير والأبحاث التي توثق ظاهرة «الاسلاموفوبيا» هذه وتشرح أسباب تفاقمها، وتحذر منها وتدعو إلى مواجهتها.
الكل يعلم ان سياسات الادارات الأمريكية المتعاقبة نفسها هي من اكبر اسباب هذا العداء للإسلام والمسلمين.
هذه الحروب التي تشنها امريكا بلا توقف على الدول الاسلامية، وهذا الحديث الرسمي الذي لا ينقطع منذ جورج بوش الابن وحتى اليوم عن «الارهاب الاسلامي» وخطره على العالم، ليس له من نتيجة بداهة سوى تكريس ومفاقمة العداء والكراهية للاسلام والمسلمين.
والكل يعلم ان «الاسلاموفوبيا» هي صناعة بكل معنى الكلمة، بمعنى ان هناك قوى وجماعات محددة معروفة في امريكا هي التي تخطط منذ سنوات طويلة وتمول وتنفذ مخططات تأجيج الكراهية للاسلام والمسلمين. وهذه القوى لها مراكز ابحاث نافذة ووسائل اعلام واسعة الانتشار تروج لهذا العداء.
وعلى سبيل المثال، في اواخر عام 2011، اصدر مركز ابحاث أمريكي تقريرا مطولا في 130 صفحة بناء على بحث ميداني امتد لستة اشهر، عن جذور شبكة الاسلاموفوبيا في امريكا. هذا التقرير اثبت انه في خلال السنوات العشر السابقة تم انفاق اكثر من 42 مليون دولار من اجل تأجيج الكراهية والعداء للاسلام والمسلمين. وهذه الأموال ذهبت الى خمسة افراد لديهم منظمات كل مهمتها هي اشعال الكراهية والعداء للاسلام والمسلمين، وذكر التقرير اسماءهم وما يفعلونه بالتفصيل. وقال التقرير ان هؤلاء لديهم شبكة واسعة من الساسة، ومراكز الابحاث، واجهزة الاعلام، تروج لمخططاتهم.
المهم انه نتاجا لكل هذا، ترسخ العداء للاسلام والمسلمين واستفحل خطر الاسلاموفوبيا، ووصل الأمر الى حد ان يخرج فاشي مثل ترامب ليطالب بمنع كل المسلمين من دخول امريكا، وبمعاملة كل المسلمين الأمريكيين (3,3 ملايين مواطن امريكي مسلم) على اعتبار انهم خطر وموضع شبهة ويجب وضعهم تحت المراقبة الدائمة.
وليس غريبا بعد كل هذا ان يتعرض المسلمون الأمريكيون لهذه الحملة الضارية من الاعتداءات المباشرة كما اشار اوباما نفسه.
والأمر كما نرى هو انه مع التقدير الكامل لزيارة اوباما للمسجد وما قاله في خطابه، فان الإدارة الأمريكية اذا أرادت حقا ان تحارب هذه الظاهرة الخطيرة في المجتمع الأمريكي، وان تقضي على هذه الكراهية وتحمي مواطنيها المسلمين، فان امامها الكثير جدا الذي يجب ان تفعله من اجل تفكيك هذه الشبكة التي تكرس الكراهية والعداء للاسلام والمسلمين، في مجالات السياسة والاعلام ومراكز البحث.







إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

aak_news