العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

نساء تونس أصبن عين الحقيقة



الكتلة الانتخابية النسائية التونسية البالغ قوامها مليونا ومائتي ألف صوت والتي ذكر الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في حواره مع رؤساء تحرير الصحف البحرينية مؤخرا، أنها (أي الكتلة المذكورة) هي التي مكنته من الفوز في الانتخابات الرئاسية التونسية، هذه الكتلة بموقفها هذا إنما تبعث برسالة بالغة المضمون والدقة إلى جميع نساء تونس بشكل خاص، والنساء في الدول العربية بشكل عام، وتعطيهن في نفس الوقت تحذيرا من مغبة الوقوع في شرك التصويت لقوى الإسلام السياسي التي لن تكترث بحقوق المرأة بعد أن تصل إلى مواقع التشريع، إذ لن يكون همّ هذه القوى سوى العمل على أسلمة القوانين الوضعية وإضفاء الفهم «الإسلامي» على هذه الحقوق (من وجهة نظر هذه القوى واجتهاداتها بالطبع)، وهو ما يعني مصادرة كل ما اكتسبته المرأة من حقوق وما أنجزته من مكتسبات طول تاريخ عملها ونضالها من أجل إعادة حقوقها المصادرة بقوة الإرادة الذكورية.
الرئيس التونسي الحالي يمثل بالنسبة للمرأة التونسية الوجه العلماني التونسي المؤهل، بحكم منطلقاته الفكرية ورؤيته الاجتماعية التقدمية، لأنّ يدافع عن الحقوق المكتسبة للمرأة في تونس، الأمر الذي دفع بهذه الكتلة النسائية الكبيرة إلى الانحياز له في الانتخابات الرئاسية، وهذا الانحياز يعكس درجة الوعي المتقدم الذي وصلت إليه المرأة التونسية في ظل النظام العلماني الذي وفر لها كافة الظروف لممارسة حياتها الاجتماعية تحت مظلة قانون صريح يحمي هذه الحقوق ويثبت المساواة بين الجنسين في المجتمع التونسي، ومن هنا فإنّ المرأة التونسية ليست على استعداد لأن تفرط في مثل هذه المكاسب التي تحلم بنيلها جميع النساء العربيات في الدول الأخرى.
في تونس بالتحديد حققت المرأة التونسية مكاسب كثيرة وتقدمية، لا تضاهيها أي مكاسب أنثوية في أي دولة عربية، باستثناء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (سابقا) في ظل حكم الحزب الاشتراكي اليمني الذي ثبت هذه الحقوق بقوة الدستور والقانون، فالمرأة التونسية في ظل النظام العلماني الذي وضع لبناته القوية الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال عن فرنسا في 20 من مارس عام 1956، حققت مكاسب اجتماعية وسياسية كبيرة جدا من خلال سن الدستور والقوانين التي وضعت حدا للتمييز في الحقوق والواجبات بين الجنسين في تونس جعلت من المرأة التونسية تتبوأ صدارة النساء العربيات من حيث التمتع بحقوق متساوية مع الرجل ومحمية بقوة الدستور والقانون.
الهاجس الوحيد الذي دفع النساء التونسيات إلى التصويت للرئيس التونسي الحالي في منافسته لمرشح التيار الإسلامي التونسي (حركة النهضة) هو خوف النساء التونسيات على مصير حقوقهن في حالة فوز مرشح التيار الديني، فمواقف هذا التيار في جميع البلدان، من هذه الحقوق مكشوفة ومعروفة لجميع النساء، فالقوى المحسوبة على هذا التيار، حتى لو لم تجاهر بموقفها المعادي والمعارض لحق المساواة بين الجنسين، لا تؤمن أصلا بشيء اسمه مساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، كل ما يهم هذه القوى هو الحصول على أصوات النساء الانتخابية.
البرامج والنظم الأساسية لقوى الإسلام السياسي لا تتحدث عن الدعوة الصريحة لتكريس التمييز الذي تعاني منه المرأة في المجتمعات العربية، ولكن ممارسات هذه القوى في الشارع العام، السياسي والاجتماعي، تكشف عن موقفها الحقيقي من المساواة بين الجنسين، فلا يمكن أن تجد امرأة في قيادة أي حزب ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي، نعم هذه الأحزاب لا ترفض عضوية المرأة فيها لكن هذا القبول ليس مرده اعتراف هذه الأحزاب بالمساواة بين الجنسين، وإنما الحاجة إلى أصوات النساء في حراكها السياسي من أجل سدة التشريع والحكم.
بالنسبة للوضع في تونس، يمكن القول إنه حتى الآن فإنّ ما اكتسبته المرأة التونسية من حقوق اجتماعية وسياسية مميزة وتقدمية، من الصعب شطبها بجرة قلم وبالسهولة التي قد تتراءى لقوى الإسلام السياسي التونسي (حركة النهضة تحديدا)، ذلك أن هذه الحقوق لا تحميها فقط القوانين المعمول بها في تونس حتى الآن والتي يمكن تغييرها إذا ما تمكن التيار الديني من الإمساك بكامل زمام التشريع في تونس، وإنما هذه الحقوق محمية بحكم وقوة الترجمة العملية اليومية لها من قبل المرأة التونسية على مدى أكثر من ستة عقود متواصلة في ظل النظام العلماني الذي أرسى دعائمه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، حتى بات من الصعب إرجاع المرأة التونسية إل الوراء كما ترغب في ذلك قوى الإسلام السياسي التونسي وغيرها.
رغم هذه الخصوصية بالنسبة للمرأة التونسية، إلا أن ذلك لا يحول دون توجس المرأة في هذا البلد العربي من إمكانية حدوث الردة والانقضاض على هذه الحقوق من قبل قوى الإسلام السياسي التونسي، وهي، أي المرأة، قد شاهدت الكثير من المحاولات أثناء إعادة صياغة الدستور التونسي الجديد حيث عمل حزب حركة النهضة جاهدا من أجل أسلمة الكثير من النصوص الدستورية بما تتماشى وتوجهاته الأيدلوجية، وأن إخفاق الحزب «الإسلامي» في ذلك لا يحول دون إعادة الكرة مرة أخرى، وخاصة إذا ما تغيرت موازين القوى داخل بيت التشريع التونسي.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//