العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

شعوبنا تدفع ثمن هذا التدمير




كثير منا اعتقد وبنسبة كبيرة من الثقة في أن تجربة تدمير العراق التي خطط لها بعد حرب تحرير دولة الكويت الشقيقة بداية تسعينيات القرن الماضي بدءًا من الحصار الخانق الذي تعرض له هذا البلد العزيز وصولا إلى جريمة الغزو الأمريكي عام 2003 والتي دشنت فعاليات بداية عملية التدمير المنظم، أقول: كثير منا اعتقد أنَّ تجربة العراق ستكون كفيلة بإلزام الجميع بالتفكير مليا قبل الإقدام أو التهاون أو المشاركة في أي عملية مماثلة يخطط لها في هذا البلد العربي أو ذاك، وخاصة بعد ما أظهرته تجربة تدمير العراق من تداعيات خطيرة تجاوز الحدود الجغرافية للبلد العزيز بمئات الكيلومترات وفتحت بابا من أبواب جهنم على كثير من البلدان والشعوب العربية.
لم يكن أصحاب هذا الاعتقاد موفقون في قراءتهم لواقع وحال المنطقة العربية التي يعيشون فيها وبالأوضاع السياسية التي تخيم على البلدان العربية، فالجرح العراقي لم يندمل بعد، ودماء أبناء الرافدين تسفك في ساحات وشوارع المدن العراقية كل صباح وكل مساء من دون توقف، ورغم وضوح الوضع المفجع للمشهد العراقي، فإنّ ذلك لم يكن كافيا لتدارك تكرار التجربة العراقية المدمرة في أماكن عربية أخرى تشهد اليوم أوضاعا لا تقل مأساوية عما يشهده العراق منذ جريمة الغزو، كما أن مصيرها لا يبدو أنه يختلف عن المصير المرسوم للعراق وفقا لأجندة تلك الجريمة.
من يراقب ما تتعرض له الآن كل من سوريا وليبيا، لا ينتابه أدنى شك في أن الدول العربية لم تتعلم درسا واحدا من دروس التجربة العراقية وبأن كل ما حدث ويحدث للعراق ينظر إليه البعض على أنه شأن عراقي تنحصر تداعياته ونتائجه المدمرة في حدود الدولة العراقية الجغرافية وأن من يدفع ثمن ذلك هو وحده الشعب العراقي، وفي نظر هؤلاء أن كل ذلك لا شأن له بالمصلحة القومية للشعوب والدول العربية، وبسبب هذه النظرة العمياء والموقف السلبي من أهداف جريمة غزو العراق، نجد هذا الموقف يتكرر من الأحداث الجارية في كل من سوريا وليبيا.
كان الهدف الرئيسي لأجندة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 هو تفتيت العراق وشل قدراته كدولة متكاملة السيادة جغرافيا وسكانيا، وهذا ما تحقق حتى الآن حيث لم يعد العراق دولة متكاملة، ومثل هذا السيناريو يجري تنفيذه على الأرض السورية والليبية، وإن كان تحت حجج مختلفة عن تلك التي سيقت أثناء التحضير لجريمة تفتيت العراق وتدميره، يحدث ذلك والدول العربية كأنها غير معنية بالتداعيات المترتبة على استمرار الأحداث فوق الأراضي السورية والليبية، وهو ما يعني أن هذه الدول لم تستوعب درس التجربة العراقية كاملا.
ليس أولئك الذين اعتقدوا أن التجربة العراقية ستكون درسا مفيدا للجميع، هم فقط الذين لم يحالفهم الحظ في هذا الاعتقاد وأخطأوا في حساباتهم، بل إن الخطأ الأكبر وقع فيه أولئك الذين اعتقدوا إلى درجة الثقة المفرطة في أن النار العراقية سوف تلتهم محتويات البيت العراقي فقط ولن تمتد إلى البيوت الأخرى، ثم كرروا هذا الخطأ بالنسبة إلى الأزمتين السورية والليبية، حتى باتت الدول والشعوب العربية كلها، وإن كانت بدرجات متفاوتة، تدفع ثمن التداعيات المأساوية لهذه الأزمات التي انعكست على شعوبنا العربية في منطقة الخليج العربي وفي المناطق الأخرى من الوطن العربي.
دروسا بليغة تلك التي قدمتها تجربة غزو العراق وما أفرزته من تداعيات خطيرة على الأمن القومي العربي، ومع ذلك تعاملنا معها بعدم المسؤولية لدرجة قادتنا (الدول والشعوب العربية) للوقوع في نفس الخطأ عندما اندلعت الأزمتين السورية والليبية، فأصحاب المخططات الشريرة الذين يضعون سيناريوهات تفتيت وتدمير الدول والدفع بها نحو الفشل التام، عندما لم تكن أمامهم حجة «أسلحة الدمار الشامل» و«تخليص» الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري التي استخدمت لذريعة لبدء عملية تدمير العراق، لجأوا إلى أكذوبة «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«حرية» الشعبين السوري والليبي لتكرار السيناريو العراقي في الدولتين الشقيقتين.
عندما وقفنا ضد جريمة تدمير العراق، كانت لدينا القناعة المطلقة بأن الهدف من وراء هذه العملية الإجرامية لا يمت بأي صلة إلى مصلحة الشعب العراقي الشقيق، بل على العكس من ذلك فإنّ النتيجة المؤكدة لحصيلة هذه الجريمة تتناقض ومصالح الشعب العراقي الوطنية، وهذا ما أثبتته تطورات الأحداث فيما بعد حيث العراق لم يعد ذلك العراق المتماسك المتآلف ذو الفسيفساء الجميلة التي تميزت على مدى قرون طويلة، والموقف نفسه نكرره مما جرى ويجري في كل من سوريا وليبيا، فالشعبان في البلدين الشقيقين هما اللذان يدفعان ثمن ما يتعرض له بلداهما من عملية تدمير ممنهج تقف وراءه قوى إقليمية ودولية لها مصلحة مباشرة في تكرار النتائج نفسها التي أفرزتها جريمة الغزو الأمريكي للعراق.
لا يهمنا من يحكم العراق ولا من يحكم سوريا أو ليبيا أو أي بلد آخر، الذي يهمنا بالدرجة الأولى هو بقاء شعوبنا وبلداننا في أمن وأمان تعيش فوق ترابها الوطني وتحت سقف واحد يجمع بظلاله جميع مكونات شعوبنا العرقية والدينية وغيرها، لأنّ بلداننا بهذه الوضعية ستكون قادرة على الولوج إلى المستقبل بنجاح كما هو حال الشعوب التي تنعم بالاستقرار والأمن والأمان، بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي لن تجلب سوى النكبات.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//