العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

سرديات:
الحكاية الشعبية..جاذبية الحكي وغواية التأويل (1 من4)

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٣٠ يناير ٢٠١٦ - 03:00



تُعد الحكاية الشعبية نوعًا سرديًّا شفاهيًّا أنتجته الذاكرة الجمعية البشرية في سلسلة متصلة من التداول، وذلك في سعيها المستمر لفهم علاقة الإنسان بمنظومة الكون من حوله وبالأنظمة الثقافية الحاكمة لمجتمعه، شأنها في ذلك شأن أشكال التعبير الشعبي المتنوعة مثل الأساطير والملاحم والسير الشعبية والأمثال والألغاز والنكات والأغاني الشعبية وغيرها. وتُعد الحكاية الشعبية واحدةً من أبرز أنواع السرد الشعبي في العالم وفي مختلف الثقافات نظرًا إلى ارتباط منظومتها الحكائية برؤية العالم عند الجماعة الشعبية التي أنتجت هذه الحكاية. وبالتالي فإنّ البحث في تعدد المرويات الشفاهية الخاصة بالحكاية الشعبية يوفر مساحة مهمة من البحث. في هذه المساحة سنقف عند التأويلات في ارتباطها بالثقافة والمجتمع وفي ارتباطها كذلك برؤية العالم عند الجماعة السردية التي أنتجت مروياتها تلك على مدى قرون طويلة.
تعدّدت مناهج جامعي الحكايات الشعبية في العالم وتعدّدت مقارباتهم منذ التحليل الشكلاني لمورفولوجية الحكايات الشعبية عند الروسيّ فلاديمير بروب مرورًا بالمقاربات السردية الحديثة والدراسات الثقافية. وعربيًّا تبرز لدينا إشكالية كبرى هي لغة تدوين الحكايات الشعبية بين المحكيات الشعبية واللغة العربية الفصحى ودور التأويلات الثقافية للسرديات الشعبية ودور التداول الثقافي في التوالد المستمر واللانهائي لهذه السرديات الشعبية رغم محاولات التدوين الكتابي لتثبيت الشعبي في صورة نهائية. وقد حرص بعض الجامعين ممن ينطلقون من خلفيات أكاديمية متنوعة على بيان تلك الإشكالية الكبرى.

أثارت نظرية الصيغ الشفاهية Oral _Fomulatic Theory البحث الخاص بالمشكلة الهومرية، أي السؤال حول من كان المدعو هومروس عندما أنشأ القصائد التي جرى العرف أن تنُسب إليه. وما النتائج المترتبة على الإجابات التي تمَّ التوصّل إليها فيما يتصل بتحقيق الإلياذة والأوديسة وتفسيرهما؟ وأثارت كذلك البحث الفيلولوجي وخاصة عند المدرسة الألمانية في القرن التاسع عشر، وقد ساعد هذا البحث بدوره في صياغة إجابات عن المشكلة الهومرية، وذلك من خلال توثيق الطبيعة التكرارية،، القائمة على الصيغ، للمعجم الشعري، بالإضافة إلى شرح هذه الطبيعة. والجدير بالذكر أن عددًا من الباحثين المختصين بالفولكلور بحثوا في روايات شفاهية لا تزال تُروى حتى الآن في جنوب شرق أوروبا من قبل رواة من الغجر ينشدون مروياتهم للإلياذة والأوديسا.
والجدير بالذكر أنَّ طه حسين أثار قضية النحل والانتحال في الشعر الجاهلي في كتابه الإشكالي «الشعر الجاهلي» الذي تأثّر فيه تأثرًا كبيرًا بأبحاث بعض المستشرقين القائمة على التشكيك في صحة الشعر الجاهلي. وفي القسم الأخير من كتابه الإشكالي هذا أثار قضية النحل والانتحال في القصص المنسوب إلى بعض الشعراء الجاهليين مثل امرئ القيس وطرفة بن العبد وغيرهما، كما توسّع في كتابه «حديث الأربعاء» في هذه القضية وشمل بتشكيكه شعراء أمويين مثل مجنون بني عامر. وفي أطروحة مضادة أكّد ناصر الدين الأسد وجود الكتابية في مجتمع ما قبل الإسلام ناقضًا بذلك تركيز أستاذه طه حسين على غلبة الشفاهية.
ميّز والتر أونج في دراسته المهمة عن الشفاهية والكتابية بين شفاهيتين: شفاهية أولى تعود إلى ما قبل عصر الطباعة، وشفاهية جديدة أوجدتها الوسائط الإلكترونية والتكنولوجية الجديدة. يرى أونج أنَّ الفروق بين الشفاهية والكتابية لم تتطوّر إلا في العصر الإلكتروني وليس قبل ذلك، وأنَّ التقابل بين وسائل التواصل الإلكترونية والطباعة هو الذي جعلنا نشعر بالتقابل الأقدم بين الكتابة والشفاهية، فالعصر الإلكتروني هو عصر شفاهية ثانوية شفاهية التليفون والإذاعة والتلفاز وهي شفاهية تعتمد في وجودها على الكتابة والطباعة.
إنَّ مرجعية أونج وهو يحدث ذلك التقابل بين الشفاهية والكتابية كان منطلقه من الفلسفات الظواهرية والوجودية التي ترفض في بعض أشكالها تقسيم الخبرة الإنسانية إلى ذات وموضوع، وتدعو إلى معالجة الأدب بوصفه حدثًا كلاميًا، بما هو حوار، ومن حيث هو خبرة مباشرة للأشياء في ذاتها. أما المنطلق الآخر فهو النظرية الشفاهية التي أرسى دعائمها كل من ميلمان باري وألبرت لورد.
بيّن الباحث الفولكلوري يان فانسينا Vancina ارتباط المأثورات الشفاهية بالمجتمع وبالثقافة اللذين أنتجاها مستشهدًا على ذلك بعددٍ من الشواهد والأمثلة التاريخية الدالة من الموروث الشعبي الإفريقي؛ ورغم اهتمام فانسينا بتدوين الإرث السردي الشعبي الإفريقي إلا أنه نظر إلى عملية تأويل الشواهد النصية بأنها عملية تزوير وتحريف تمّت بسبب ما اسماه التناقل. إذ يقول: «قد تحدث تغييرات في النص المبدئي للمأثورات عند تقديمه في شكل رواية مسموعة، عند انتقاله من راوٍ إلى آخر، حتى آخر نص يتم الحصول عليه في سلسة التناقل. وقد يحدث كل راوٍ تغييرات من نوع مختلف، ولكن الحذف نتيجة السهو والنسيان، وكذلك التأويل يرتبطان ارتباطًا مباشرًا بعملية التناقل للمأثورات. أمَّا التغييرات الأخرى التي يقدمها الرواة على مسؤوليتهم الخاصة فهي غالبًا شيء طبيعي، ومتعارف عليه، وليس لها أي علاقة بعملية التناقل».
كما بيّن فانسينا أن كل المأثورات الشفاهية ترتبط إلى حدود تكبر أو تصغر بالمجتمع والثقافة اللذين أنتجاها؛ لذلك فإنّ كلّ هذه المأثورات تأثر بالثقافة والمجتمع اللذين تعتمد عليهما في وجودها.
ويتفق آلان داندس مع فانسينا في هذه النقطة وخاصة في دراسته لمجموعة الأخوين جرم (حكايات البيوت والأطفال)؛ إذ إن حكايات الأخوين جرم في تصوّر داندس تراث زائف folklore لأنهما أخضعاها للتعديل والتهذيب. وهذا عمل غير مقبول في الدراسات الشعبية؛ لأنه يجرد المادة المجموعة حقليًا من أصالتها ومغزاها. وهما بذلك حوّلا مجموعتهما إلى عمل أدبي مقتبس من التراث الشعبي، وليس تراثًا شعبيًا حقيقيًا. فكتابهما يحمل بصمات المؤلفين بطريقة لافتة وبعيدة عن معايير البحث الميداني ذات الصبغة المحايدة.
من جانبٍ آخر ينظر كليفورد غيرتزClifford Geertz إلى الإنسان بوصفه حيوانًا عالقًا في شبكات رمزية نسجها بنفسه حول نفسه وبالتالي ينظر إلى الثقافة على أنها هذه الشبكات، وأن تحليلها يجب ألا يكون علمًا تجريبًا يبحث عن قانون بل علمًا تأويليًّا يبحث عن معنى». والثقافة بما هي شبكة من أنظمة الإشارات للتفسير والتأويل ليست قوة قاهرة وليست شيئًا تُعزى إليه سببًا أحداث مجتمعية أو سلوكيات أو مؤسسات اجتماعية أو سيرورات عملية، بل هي نسق يمكن من ضمنه إجراء توصيف كثيف قابل للفهم لهذه الأشياء».
يمكن أن نصنف رواة الحكايات الشعبية إلى صنفين: الصنف الأول هو الراوي المحافظ الذي ينقل الأثر السردي كما هو من دون أي تغيير أو تبديل. وقد مثّل الأخوان جرم لمثل هذا الراوي بالراوية الألمانية دوروثيا فيهمان التي كانت تحرص على نقل الحكايات إليهما كما قيلت من دون أي تغيير أو تحريف أو تبديل. والصنف الآخر من الرواة هو الراوي المبدع الذي يتصرف في المسموع فيضيف إليه تراكمات حكائية سردية تخرجه عن أصله الحكائي الأول، ونحن بحاجة إلى مثل هذين الصنفين من الرواة.
وفون ديرلاين لا يرى إساءة في تصرف القاص المتميز في تطوير الحكاية ويقول: «إنَّ القصاصين المجيدين بما لهم من إحساس متميز بالشكل يرون مثل هذه الحكايات الضعيفة عن طريق تحويرها واستكمالها مرة أخرى إلى شكلها المكتمل». في المقال القادم سأورد أنموذجا تطبيقيا خاصا بعملية التناقل في الرواية وإيجادها لمساحات من التأويل، وسأقف عند سيرة شعبية إماراتية هي سيرة «الماجدي أو المايدي بن ظاهر».





كلمات دالة

aak_news