العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

التجريب وتعدد الرواة في «قواعد العشق الأربعون»

بقلم: رسول درويش

السبت ٣٠ يناير ٢٠١٦ - 03:00



استطاعت الكاتبة التركية إليف شافاق في روايتها الجميلة «قواعد العشق الأربعون» من ابتكار عمل قصصي رائد فيه الكثير من الإبداع والتجريب، فهي من ناحية، استنزف التحضير لمادتها وكتابته جهدًا مضنيًا، حتى يبدو ذلك جليًّا للناقد قبل القارئ، وفي موازاة ذلك، استطاعت أن تغوص بمهارة فائقة ومن خلال قصتين مختلفتين تنطلقان في مسار متوازٍ ويفصل بينهما ثمانمائة سنة تقريبًا! إلا أننا نجد أحداث القصتين يتكاملان مع بعضهما، ويغلب عليهما عنصر التشويق، حتى أصبحت خاتمتهما واحدة، وقد أصبح ممكنًا للقارئ إمكانية قراءة نهاية إحداهما والقدرة على توقع نهاية الأخرى.

يُعتبر هذا العمل الرائد نوعًا من الثورة فيما يُعرف بالتجريب، ويلاحظه القارئ والناقد على حد سواء؛ فاستطاع القارئ الحصول على طعامٍ معرفي شهي، تمثل ذلك في عرض شخصيات تاريخية فذة خالدة، كالعالم الكبير جلال الدين الرومي وأحد أقطاب التصوف شمس التبريزي، إنها شخصيات تاريخية حقيقية، كانت تعبرُ في خطٍ متقابل مع شخوص ربما تكون وهمية أو خيالية تبلورت في: عزيز زاهارا وإيلا. كما تمكنت الكاتبة أن تسبر وترسم بريشتها مناطق تاريخية كمدينة قونية في الأناضول، والعاصمة بغداد قبل قرون بعيدة، وأن تضع القارئ في مختبر مقارنة عصرية مع بعض المدن كبوسطن ومدينة قونية ذاتها.. ولكن في العصر الراهن.
إنّ أبرزَ سمات النقد لهذا العمل الجميل تمحور من خلال تعدد الرواة، فكانت كل شخصية تروي دورها على حدة، ولم يكن أبدًا للسرد أي هامش، ولكن الكاتبة وقعت في اشكالية اللغة، فكل الشخوص تحدثت بنفس المفردات والمصطلحات، وتميزت بنفس القدرة على التفكير؛ وهو خطأ فادحٌ، فكيف يمكن لعالم جليل كالرومي أن يستخدم ذات اللغة والمفردات وذات التفكير مع ذلك الذي استخدمته (اللعوب) ورد الصحراء على سبيل المثال؟!
إنّ تلك الاشكالية في ترجمة النص الأدبي، والتي قام بها خالد الجبيلي ممثلاً لدار طوى للنشر والإعلام، كانت أخف وطأة إذا ما قورنت بنصوص أخرى مترجمة، ولربما كان الخلل السابق هو نتيجة تلقائية لضعف في عملية الترجمة نفسها، فما عاد المترجم يستطيع أن يضفي إليها أسلوبًا مختلفا عندما تكلمت الشخصيات المختلفة وأباحت عن ذواتها، كما يضاف إلى ذلك، فقر المترجم للحس الشعري الفطري ولكتابة الشعر، فمن المعروف سلفًا، أن الرومي يعد أحد أعظم الشعراء الإسلاميين، ولكن الترجمة عن اللغة التركية أوحت للقارئ أنه كان يكتب مفردات «غوغلية» غير محسوسة ولا مترابطة، وأنها تترجم المفردات بعيدًا عن لُب الفكرة وكنه اللغة!
إنّ النجاحَ الباهر الذي واكب رواية «قواعد العشق الأربعون» والذي حوله إلى مصاف الأعمال العالمية الخالدة، له أسبابه ومقوماته ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- إلغاء المكان: لم تضع الكاتبةُ الجغرافيةَ نصب عينها في كتاباتها ولكنها قفزت فوقها، فاجتازت شافاق بغداد وقونية والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.. إنه تنقل وتنوع مكاني لا يعطي الرواية أي انتماء أو مذهب جغرافي، أسلوبٌ تجلى فيه القفز على الجغرافية وإلغاء الحدود السياسية الموضوعة، حتى يستشعر معها القارئ بوحدة العالم ويولد معه – تبعًا لذلك - الأدب العالمي.
2- حذف الزمان: وفيما يتعلق بالزمن، فإنّ المتابع يجد نفسه أمام عمل محترف في كيفية التعاطي مع الوقت وحدود الزمن، فهنا تكتب شافاق الرواية في عصرين يفصل بينهما ثمانمائة سنة، ويستطيع القارئ بيسر أن يجري مع الأحداث دون انقطاع ودون كلل أو ملل.
3- الحكمة والفلسفة: لقد تجلت فلسفة الكاتبة وحكمتها في حبك القواعد العشقية، فتحدثت التركية شافاق عن الصوفية، ودعت زعماء المجتمع إلى معايشة الطبقات السفلى والتودد إليها؛ حتى يشعر الإنسان بالسعادة الحقيقية، وذمّتْ ممتعضةً عيش الإنسان في برجه العاجي المخملي بعيدًا عن الآخر.
4- الأساطير: في «قواعد العشق الأربعون» التقت إيلا بعزيز زاهارا وهو الذي يمثل نسخة متطابقة لشمس التبريزي الذي عاش قبلها بثمانمائة سنة؛ أسلوب الأساطير هذا لم يدفع العمل إلى اللامنطق بل زاده تشويقًا وجمالاً.
5- الحب والخير والجمال: قيل قديمًا إن الحب الواقعي هو الحب الذي لا نبحث عنه أبدًا، ولكننا نقع في بئره مصادفة، وفي هذه الرواية، نجد أن الحب (الإلهي) الخالص أوقع الرومي بالتبريزي، كما أن الحب الطاهر هو الذي جاء بعزيز إلى زاهارا دون الوقوع في المحرمات، إنها قيم انسانية متشابهة تشعر من يقرأها بالألفة مع أحداثها وأنه جزء من الرواية، يقع بين جوانبها لا خارجها.





كلمات دالة

aak_news