العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٣ - الاثنين ٣٠ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٨ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

رئيس الوزراء يشخص الأوضاع العربية



خلال استقباله لوزراء الخارجية العرب المشاركين في الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الهندي دعا سمو رئيس الوزراء «إلى العمل على إصلاح ذات البين العربية والتمسك بالتعاون» باعتبار ذلك كما قال رئيس الوزراء «خيارنا الوحيد للحفاظ على مصالح أمتنا وشعوبنا العربية»، تأتي هذه الإشارات من سمو رئيس الوزراء أمام ممثلي الدول العربية من منطلق إدراك سموه بحكم الخبرة القيادية المتراكمة لمسيرته القيادية، إلى ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية من سوء لدرجة يمكن القول معها إن أمتنا العربية هي الأمة الوحيدة على وجه الكرة الأرضية التي تكفل أبناؤها بمهمة القضاء على مستقبلها وتدمير مصالح شعوبها، فهذه الأمة تتعرض للتدمير الذاتي بالدرجة التي ما كان لأعدائها أن يحققوها بأنفسهم، وهذا أمر في غاية السوء والخطورة.
ليس صدفة أن يدعو سمو رئيس الوزراء إلى «إصلاح ذات البين العربية» فسموه يعرف جل المعرفة حجم الخلافات العربية العربية وما تسببت فيه حتى الآن من إضعاف خطير، بل وتهميش شبه تام لدور الدول العربية والأمة بشكل عام، ليس على المستوى الإقليمي والدولي فحسب بل على المستوى الوطني، حيث أصبحت الأمة العربية عاجزة عن التصدي لمشاكلها الخاصة وإصلاح الخلافات بين أبناء البيت الواحدة، الأمر الذي مكن اللاعبين الخارجيين من الولوج إلى أعماق خلافاتنا الداخلية وتحريكها بما يخدم مصالحهم الخاصة على حساب مصالح شعوبنا العربية التي تدفع ثمن ذلك من مستقبل أبنائها.
لطالما حذر رئيس الوزراء أكثر من مرة وفي كل لقاء يجمعه مع المسؤولين العرب، حذر من مغبة مصير الأمة على طاولة التلاعب الإقليمي والدولي، فسموه شاهد عيان وبنظرات ثاقبة على ما تتعرض له الأمة العربية ومستقبل شعوبها من عملية تدمير ممنهج ومتواصل، فالنكبة التي حلت بالعراق ومن بعده سوريا وليبيا، أصابت الأمة العربية في مقتل لما تمثله هذه الدول من أحجار ارتكاز مهمة في المنظومة القومية العربية، وهي علامات شاهدة على ما يمكن أن تؤول إليه أوضاع الشعوب العربية جميعها إذا ما تكررت وتواصلت مثل هذه النكبات والفواجع، والتي ما كانت لتحدث وتتواصل لو كان هناك إدراك بالمسؤولية الوطنية والقومية.
قادة الدول العربية يتحملون مسؤولية «إصلاح ذات البين العربية»، فبين أيديهم قرارات الحل والربط، وصفحات التاريخ لا يمكن أن تتجاهل أدوار كل من لا يقدم على القيام وتأدية مسؤوليته الوطنية والقومية بأمانة وإخلاص ناحية خدمة مصالح ومستقبل وطنه وأمته، فأولئك الذين يتعمدون سكب الزيت على النيران العربية المشتعلة خضوعا تارة وانصياعا تارة أخرى أمام رغبة قوى أجنبية، إقليمية كانت أم دولية، سوف يتصدرون عناوين تلك الصفحات في فصولها السيئة، فأوضاع الأمة العربية لا تستحمل تقاعسا أو تهاونا، فالنيران التي تأكل أخضر ويابس دول عربية بعينها في الوقت الراهن سوف تأتي على غيرها لأنّ حجم الاشتعال لا يمكن الاستهانة به، أضف إلى ذلك، أنّ مصالح قوى إقليمية ودولية تلعب دورا أساسيا في زيادة هذا الاشتعال.
«إصلاح ذات البين العربية» التي أكّد عليها سمو رئيس الوزراء بحضور وزراء الخارجية العرب، تتطلب قبل كل شيء التخلي عن الأنانية السياسية ونزعة التسلط والوصاية الأبوية المفرطة، ووضع مصالح الأمة والشعوب العربية فوق جميع الاعتبارات ووضع هذه المصالح ضمن استراتيجية العمل المستقبلي للأمة العربية وشعوبها وهذا يعني تغليب هذه المصالح على كافة الخلافات الجانبية التي تسببت حتى الآن في تدمير دول وشعوب عربية، من دون أن تجني أي دولة عربية مكسبا يذكر، بل على العكس من ذلك، أصبحت جميع الدول العربية مكشوفة لأهداف القوى الإقليمية والدولية خدمة لمصالح تلك الدول.
حال الأمة العربية اليوم يمكن وصفه بحالة التدمير الذاتي البطيء وصولا إلى مرحلة الانتحار، هذه الحالة ليست كلها من فعل القوى الإقليمية والدولية، وإنما أسبابها تدني الشعور والإحساس بالمسؤولية القومية التي تفرض علينا جميعا عدم فصل مصالحنا الوطنية عن المصالح العليا للأمة، فالخلافات بين الدول العربية كانت حتى الآن هي السبب الرئيسي وراء ما تواجهه الأمة والشعوب العربية من تحديات ومخاطر في الوقت الراهن، وأثبت قادة الدول العربية عجزا كبيرا عن مواجهة هذه الخلافات والتغلب عليها، بل على العكس من ذلك، فإنّ هذه الخلافات في تفاقم مستمر من دون أن يلمس المواطن العربي العادي أي جدية من جانب القادة العرب للتغلب عليها وانقاذ مصير الأمة من الانهيار التام.
البعض يرى أن ما تمر به الأمة العربية من أوضاع مأساوية ومن تدمير ذاتي متواصل، ليس سوى البداية، فإنّ صحت هذه النظرة التشاؤمية، وهي بالمناسبة قريبة إلى ذلك، حيث حالة التدهور في تصاعد مستمر والخلافات العربية العربية تتفاقم وتأخذ أوجها المتعددة تنبئ بتفجرها وتشعبها، ومن هنا فإنّ المهمة القومية العاجلة تتمثل في وقف هذا التدهور والأخذ بدعوة سمو رئيس الوزراء، أي «إصلاح ذات البين العربية»، فهذا الإصلاح يمكن أي يكون مفتاح الفرج أو البداية إلى ذلك.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//