العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

صاحبة قصة إنسانية ملؤها التضحية والتفاني .. عهدية العوضي لـ «أخبار الخليج»:
ابني المعاق لم يعد عبئاً .. بل أصبح سندألي

{ أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٢٧ يناير ٢٠١٦ - 03:00



من منا لم يسمع عن قصة «أم علي»، تلك الأم التي جسدت أجمل معاني الأمومة والتضحية والتفاني، فقد استطاعت بمفردها أن تتحمل مسؤولية طفلها الذي ولد مصابا بالشلل الدماغي، وأن تقدم له كل الدعم المادي والمعنوي، وتحدت إعاقة ابنها علي، وبذلت كل الغالي والنفيس من أجل علاجه والتخفيف عنه، حتى خلقت منه شابا متفائلا، له دور في الحياة وبصمة في حياة أسرته، فقد تحول من مجرد حالة مرضية قد تمثل عبئا على كاهل أي أسرة إلى سند لها في الحياة.
ولأن تلك القصة تحمل الكثير من العبر والمعاني الجميلة حاولت «أخبار الخليج» الوقوف عند تفاصيلها المؤلمة والمبهجة في الوقت نفسه، وذلك من خلال الحوار التالي مع بطلتها عهدية محمد العوضي الشهيرة بأم علي، والتي يرتسم على ملامح وجهها الكثير من القوة والصلابة:

{ حدّثينا عن بداية أحداث القصة؟
قصتي بدأت حين بلغت من العمر عشرين عاما، حيث إنَّني تزوجت في سن مبكرة بعد إنهاء دراسة الثانوية العامة، فقد تزوجت من (أبي علي) عام 1993 الذي انفصلت عنه بعد عشر سنوات تقريبا، ثم تزوجت من زوجي الحالي الذي عوضني الكثير عما فاتني في حياتي، وكان ربي قد رزقني بعلي المصاب بشلل دماغي، وهو أول طفل لي، ويبلغ عمره اليوم 22 عاما، لكننا لم نكتشف حقيقة إعاقته إلا بعد حوالي عام من ولادته.
{ وكيف تم اكتشاف المرض؟
حين ولدت علي في أول شهره السابع كان طفلا خديجا، وقد مكث بالمستشفى حوالي شهرين، وكنت شديدة التعلق به، وأدعو ربي ليل نهار أن يبقيه لي ولا يحرمني منه حيث كان عرضة للوفاة في أي لحظة، وكنت أناجي ربي أن يحفظه لي وأنني سوف أكون راضية بأي إعاقة تحدث له وكان وزنه حينئذ كيلو جرام واحد واستلمته من المستشفى حين بلغ وزنه اثنين كيلو، وذهبت به إلى البيت لتبدأ رحلته القاسية مع الحياة.
{ وما هي تفاصيل الرحلة؟
في البداية لاحظنا أن نموه بطيء للغاية، وأنه لا يتحرك طبيعيا ولا يتكلم وحين صار عمره عاما، أيقنا أن به شيئا ما خطأ يجعله يبكي طول الوقت وهذا ما لاحظه جدي الذي كان يساعدني في رعايته هو ووالدتي وخاصة خلال الوقت الذي أعمل فيه بإحدى شركات السياحة.
{ وكيف تعرفتم على مرضه؟
عند عرضه على الأطباء وإجراء العديد من الفحوصات قيل لي إنه يعاني من شلل دماغي، وكانت صدمة شديدة لي، ولم أكن على وعي بهذا المرض فبدأت في البحث والسؤال حتى تعرفت عليه وكان عليّ أن أتعايش معه.
{ كيف تعايشتِ معه؟
في البداية كنت أبكي بشكل متواصل وغير مستوعبة للحالة، وأذكر أن أول كلمة نطق بها طفلي كانت «الحمد لله» وكان عمره حينئذ أكثر من عام ونصف وحاولت إدماجه في روضة، وساعدتني كثيرا في هذه المرحلة الأستاذة منيرة بن هندي، وكان يتردد على دار التأهيل التابعة لبنك البحرين الوطني، ويتعلم هناك إلى جانب تلقي بعض العلاج، إلى أن بلغ سن التعليم.
{ وماذا عن رحلة علاجه؟
حالة ابني كانت تتطلب إجراء عدة عمليات لتصحيح بعض الأجزاء في جسده وسافرت به إلى السعودية وتلقى علاجا طبيعيا مكثفا، إلى أن كبر وبدأت أبحث له عن مكان بالمدارس الحكومية وفشلت في ذلك، حيث طلب مني توفير بعض الاشتراطات الصعبة ومنها توفير مرافق دائم معه، وكان صعب عليّ أن أوفر تلك الاشتراطات وخاصة أنني أتحمل مسؤوليته بمفردي، إلى أن وفقني الله وهداني إلى عائلة كندية كان لها فضل كبير في حل الكثير من مشاكلي وفي التخفيف عني.
{ وكيف تعرفتِ على هذه العائلة؟
في دار التأهيل كانت هناك امرأة كندية تشرف على العلاج الطبيعي لابني وهي التي عرفتني بهذه العائلة حيث كانت صديقة للكندية «أنا» هي وزوجها إدوارد، وكان الزوجان شغوفين بالعمل التطوعي، وتعرفت عليهما وتعلقت بهما كثيرا، وقد تحملا معي عبئا كبيرا في رحلة العلاج والرعاية.
{ وماذا عن عملك هل تم الاستمرار به؟
كان عملي ضروري لتوفير متطلبات العلاج المادية، فقد كان عليّ الإيفاء بمتطلبات العلاج وبمفردي، وقد لجأت إلى الاقتراض من البنوك، ولا أنسى مساندة أسرتي لي وكذلك أهل الخير وخاصة تلك العائلة الكندية، وأذكر أنني كنت أعمل في ذلك الوقت من الثامنة صباحا حتى السادسة المغرب وبعد رجوعي أتولى رعاية ابني، وكانت تلك السيدة الكندية بمثابة السند لي في تخفيف المسؤولية التي تتطلب عناء ماديا وجسديا ونفسيا كبيرا، فقد أقعد المرض ابني على كرسي متحرك منذ أن بلغ عمر عامين، وكانت رعايته تستلزم جهدا جبارا.
{ هل التحق بالتعليم؟
حين كان عمره حوالي عشر سنوات ألحقته بمدرسة حوار الدولية وحاولت إدماجه مع باقي الطلبة، وقد كانت رسوم المدرسة مرتفعة وتفوق طاقتي، فضلا عن احتياجه لأجهزة معينة ومتطلبات خاصة.
{ هل مررتِ بمراحل شعرتي فيها باليأس؟
كثيرا ما كنت أمر بمراحل أشعر فيها بالاكتئاب واليأس والتعب، وكنت أبكي وأصرخ، ولكن سرعان ما أعود إلى صوابي وكان ذلك بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل الكثير ممن حولي الذين كانوا يشدون من أزري ويدعموني، وفي كل مرحلة كان الله يسخر لي ناسا معينة تقف إلى جانبي.
{ ما هي أصعب مرحلة؟
أصعب مرحلة مررت بها كانت حين ذهبت بابني إلى أمريكا، وحصلت على إجازة من عملي ثلاثة أسابيع، واضطررت أن اتركه هناك وأعود إلى عملي وذلك لإجراء عدة عمليات جراحية لتصحيح أوضاع في أماكن متعددة من جسده، فكان ذلك أمرا صعبا عليّ وخاصة أنه كان يلازمني في كل لحظة، ولم يفارقني مطلقا، ففي السيارة كنت أقود وهو في حضني، وفي الليل ينام بجانبي في نفس السرير، وأنا أتناول الطعام يكون في حجري، وهكذا، ولكن لم يكن أمامي خيار آخر من أجل مصلحته.
{ وكيف وصلت حالته إلى أمريكا؟
بفضل العائلة الكندية فهي التي توسطت لي في مستشفيات أمريكا، ووافقوا هناك على علاجه بالمجان وكان ذلك بأعجوبة حيث لا يسمح لغير الأمريكان والكنديين والمكسيكيين بإجراء العمليات المجانية هناك، وأذكر أن الطبيب الأمريكي الذي فحصه هناك قال لي هذا الولد نعمة من رب العالمين، وقد انتقلت السيدة آنا وزوجها إدوارد إلى أمريكا ولازما عليا أثناء إجراء العمليات، وقاموا برعايته ومساندته، هم وبعض من أفراد أسرتهم.
{ كيف كان أثر زواجك الثاني على حالة علي؟
زوجي الحالي هو بمثابة الأب الروحي لابني علي، فهو يرعاه وينصحه ويحاول غرس القيم الجميلة في نفسه، وهو يساندني في توفير كافة المستلزمات الخاصة بحالته، وخاصة أنني تقاعدت مؤخرا، وبصفة عامة ليس بالضرورة ان يكون الطفل المعاق سببا في فشل العلاقات الزوجية بل على العكس، هناك عائلات تزداد ترابطا بسبب وجود طفل معاق والعكس صحيح، وقد اعتقد البعض أن زواجي سيأتي على حساب العناية بابني ومتابعة رحلة علاجه، إلا أن العكس هو الذي حدث تماما.
{ هل حالة ابنك حرمتك من متع الحياة؟
من المؤكد أنني شعرت في مرحلة من مراحل الحياة أنني وحيدة في هذه الحياة، وأنني حرمت من الكثير من متعها، كلمة الأهل والأصدقاء والسفر والاستمتاع بحياتي، وهذا ما دفعني إلى الإقدام على الزواج مرة أخرى وقد كان اختياري صحيحا وأراد ربي أن يعوضني الكثير مما افتقدته.
{ هل يمر ابنك أحيانا بحالات من اليأس؟
بالعكس، علي شخصية مرحة، يتمتع بروح الدعابة، ويضفي دوما نوعا من البهجة على المكان الذي يتواجد فيه، وقد كنا دائما نحرص على تقويته وعدم استسلامه، ونقول له إن حالته أفضل من غيره، وأن الله قد وقف إلى جانبه، وبعث له الكثير من أهل الخير لمساندته.
{ هل مازال يمثل عبئا عليكِ؟
علي لم يعد يمثل عبئا بالنسبة إلي، بل أصبح سندا لي، فقد كان حلمه من صغره أن يكون له مشروعه الخاص، حيث كان يتمتع بحس تجاري، وبروح الاستقلالية، كنت حينئذ أشتري له بعض الأغراض من البرادة أو خلال رحلات سفري، وأعطيها إياه ليقوم ببيعها علينا، وذلك كي أشعره بمتعة ممارسة العمل التجاري الذي يحلم به وبأن له دورا في الحياة، وهو يلعب اليوم هذا الدور على أرض الواقع، وخاصة بعد قيامه بتأليف كتاب عن قصته مع الإعاقة، ونشره وتوزيعه بدول المنطقة، ومن ريعه أصبح له دخل خاص.
{ ماذا تعلمتِ من هذه التجربة؟
تعلمت أن الإنسان يجب أن يرضى بقضاء الله وقدره ويواجه أزماته بإيمان وابتسامة وتفاؤل، صحيح أنني مررت بلحظات ضعف ويأس لكن كانت مجرد لحظات، واليوم أنا فخورة به وبأن أصبح سندا لي يتحمل المسؤولية معي، حتى فيما يتعلق برعاية أخيه الصغير أثناء غيابي أو سفري، كما أنه يعلمه الكثير في الحياة ويصطحبه إلى المسجد.
{ ماذا ينقص ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا؟
ذوي الاحتياجات الخاصة ينقصهم الكثير في مجتمعاتنا، فراتب علي الشهري مائة دينار، في حين تصل كلفة الممرضة المرافقة له مائتي دينار، هذا إضافة إلى احتياجاته الخاصة الأخرى كالسرير الطبي وكرسي الحمام والأدوية والأطعمة الخاصة التي لا تتوافر هنا ونضطر إلى جلبها من الخارج كما أن كلفة انتقاله في الطالعة الواحدة تصل إلى خمسة عشر دينارا، هذا فيما يتعلق بالاحتياج المادي، أما الاحتياج المعنوي أو النفسي، فهم يفتقدون أيضا الكثير في هذا المجال، فكثير من أفراد المجتمع لا يعون بمتطلبات هذه الفئة، ولا يحترمون مشاعرها، وأبسط وأقرب مثال هو الغور على مواقف المعاقين في المجمعات التجارية وغيرها من الأماكن، حتى حين أتحدث إلى بعضهم يديرون ظهورهم لي ويذهبون، وهذا على عكس الحادث مثلا في دول أخرى.
{ ما هي رسالتك للمسؤولين؟
أناشد المسؤولين في الجهات المعنية بدعم المعاقين، والعمل على تغيير حياتهم، فقد كان حلمي منذ أن كان علي صغيرا أن نسهم أنا وهو في إحداث بعض التغيير في حياة المعاقين، والحمد لله قد تحقق جزء كبير من الحلم، فقد باتوا يتحلون بشجاعة الانخراط وسط المجتمع، وبرزت جماعات تدعمهم مثل جماعة «تذكرتك إلى الجنة» التي تقدم لهم دعما معنويا كبيرا، ولن أنسى ذلك الاحتفال الجميل الذي أقاموه لابني بمناسبة عيد ميلاده مؤخرا، فهؤلاء طاقة معطلة يمكن الاستفادة منها ودمجهم في الحياة، وفي قطاع العمل، ويمكن أيضا مشاركتهم في عملية التنمية، فلا يجوز أن نسجن هؤلاء داخل أسوار إعاقتهم، واليوم يمكن تلمس الكثير من التغييرات التي طرأت على أوضاع هذه الفئة، إلى جانب توجه وسائل الإعلام المختلفة نحو الاهتمام بهذه الفئة الأمر الذي استشعرناه بالفعل حين قام إبني بتأليف كتابه وقامت هذه الوسائل بتسليط الضوء على هذا الحدث بشكل أسعدنا كثيرا.
{ ما هو طموحك الحالي؟
ليس لي طلبات خاصة، كل ما أتمناه هو أن يحصل ابني على أساسيات الحياة وأن أتمكن من تربية أطفالي تربية إسلامية صحيحة لا يضرون فيها غيرهم أو أنفسهم، وأن يتم الإسراع في رفع قيمة الدعم المادي الشهري المخصص للمعاق، بحسب وعد الجهات المعنية.
{ ما هي نصيحتك لأي أم لطفل معاق؟
أنصح أي أم رزقها الله بطفل معاق أن تحمله على كتفها وتطلع به إلى المجتمع وتدمجه فيه، فالعلاج ليس كل شيء، والتعامل النفسي مع المريض يلعب دورا كبيرا في تخفيف معاناته، فالمعاق يحمل عقلية يجب احترامها واستثمارها، وقد فعلت هذا الشيء مع ابني والحمد لله أصبح إنسانا نافعا لأهله ولوطنه ورفع اسم البحرين عاليا، ولا أنسى هنا توجيه الشكر الجزيل إلى السيدة آمال المؤيد ومؤسسة عائلتها الخيرية التي ساندتني كثيرا من خلال تقديم كل العون والدعم لابني، وكذلك الأهل والأصدقاء الذين دعموني كثيرا وخففوا عني الكثير في أصعب أوقاتي.



كلمات دالة

aak_news