العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨١ - السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٦ رجب ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

مصر بعد خمس سنوات من 25 يناير



يستقبل الشعب المصري اليوم الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير التي انطلقت عام 2011 بتحركات شعبية لم تشهدها مصر طوال تاريخها الحديث مطالبة بإزالة الفساد واحترام حقوق الإنسان وإرساء نظام المواطنة والعدالة الاجتماعية حيث انَّتهت هذه الانتفاضة الجماهيرية الاستثنائية برحيل نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك الذي قبع على سدة حكم مصر منذ عام 1982، أي بعد اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، تخللت سنوات حكم الرئيس السابق مبارك ممارسات سياسية واقتصادية أدت إلى تراجع الدور المصري على المستويين الإقليمي والدولي وسحبت من تحت أقدام أكبر وأقوى دولة عربية وإفريقية الكثير من الميزات والسمات التي كانت تميزها عن غيرها من الدول وفي مقدمة ذلك كاريزما القيادة التي دشنها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.
خمس سنوات من عمر الثورة هي مدة تكاد لا تذكر كي يستطيع أي مراقب أن يقدم قراءة عقلانية وموضوعية لمدى نجاح أو فشل الثورة، وخاصة أن السنوات الخمس التي انطوت من عمرها لم تتوال في ظروف طبيعية، وإنما تخللتها صراعات داخلية شديدة وعنيفة تصدرت منفذيها، جماعة الإخوان المسلمين التي تعهدت بألا تجعل النظام في مصر يسير بهدوء نحو بناء الدولة الحديثة من خلال ما تقدمه من دعم مباشر وغير مباشر للأعمال الإرهابية التي تنفذها العصابات الإجرامية في العديد من المدن والمحافظات المصرية، وخاصة تلك التي تشهدها محافظة سيناء.
فمصير الثورة المصرية بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق حسني مبارك كان محفوفا بالمخاطر الجمة إذ كانت قوى الإسلام السياسي ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين بصفتها أكبر وأقوى هذه القوى وأكثرها تنظيما وخبرة بالعمل السياسي وسط الشارع السياسي «الإسلامي»، كانت متربصة تتحين الفرصة الذهبية للانقضاض على نتائج الثورة بعد أن تيقنت واقتنعت بأن الباب أصبح مفتوحا أمام جميع القوى السياسية لممارسة حقها الوطني في العمل العلني المشروع، وهذا واحد من أهم المطالب التي رفعتها ثورة الخامس والعشرين من يناير ونفذتها بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك.
كان يمكن أن يكون الفشل هو مصير ثورة الخامس والعشرين من يناير، بعد أن فازت جماعة الإخوان المسلمين بكرسي الرئاسة، لولا يقظة الشعب المصري الذي فوت على الجماعة استغلال صناديق الاقتراع لإرساء نظام إقصائي لا يختلف عن النظام الذي أسقطته جماهير الخامس والعشرين من يناير، إن لم يكن أسوأ منه، فهذه الجماهير بحسها الوطني استشعرت الخطر الذي يهدد الثورة على ايدي جماعة الإخوان المسلمين بعد سلسلة خطوات قام بها الرئيس المخلوع محمد مرسي والتي من أهمها تشكيل لجنة صياغة الدستور غالبية أعضائها من الجماعة ومن حلفائهم بهدف الإتيان بدستور إقصائي يخدم توجهاتهم السياسة وفي مقدمتها إقامة دولة الخلافة التي عملوا من أجلها طوال تاريخهم.
فخطوات محمد مرسي التي كان يخطوها بتعليمات وتوجيهات من مرشد الجماعة كانت تستهدف تهميش جميع القوى السياسية المصرية وتركيز السلطة في أيدي جماعة الإخوان تحت أمرة وتوجيه المرشد، وحكم كهذا لا يمكن أن يقبل به الشعب المصري الذي بطبيعته يميل ناحية النظام العلماني وليس الديني كما كانت تخطط له جماعة الإخوان المسلمين، فكانت انتفاضة الثلاثين من يونيو عام 2013 المليونية التي وضعت حدا لحكم الجماعة وأنقذت ثورة الخامس والعشرين من يناير من الضياع والفشل التام.
فمصر وبعد عقود من حكم الفساد والانحدار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي بدأ بعد رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، بحاجة إلى قيادة تعيد لها استقرارها وتضع عجلة التنمية فيها على الطريق الصحيح، وهي جوهر الأهداف التي قامت من أجلها ثورة يناير، فأرض الكنانة تختزن في باطنها كل مقومات بناء الدولة القوية القادرة على لعب الدور الذي يليق بتاريخها وبإمكانياتها البشرية والمادية، إذا ما حظيت هذه الإمكانيات بقيادة وطنية تترجمها إلى واقع ملموس كما فعل جمال عبدالناصر.
غالبية الشعب المصري بمختلف قواه الوطنية، وبعد التخلص من حكم جماعة الإخوان المسلمين يضعون الآن آمالهم في قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي يرون فيه المنقذ لهم من حكم جماعة الإخوان المسلمين وبعد أن أظهر انفتاحا سياسيا واقتصاديا على الجميع، وشرع في التحرك الجاد على المستويين الإقليمي والدولي لإعادة بناء دور مصر على الساحتين، لكن ذلك كله لن يكون كافيا لنيل رضا واعتراف الشعب المصري بالنجاح.
فهناك مطالب وحقوق مشروعة كانت مغيبة ومصادرة على مدى أكثر من ثلاثة عقود وهي كانت الأسباب الرئيسية التي أشعلت ثورة الخامس والعشرين من يناير، على الحكم المصري بقيادة الرئيس السيسي أن يبقى متيقظا وملتفتا باستمرار إلى هذه المطالب، وفي مقدمتها محاربة الفساد ووضع حد للعبث بالمال العام، إلى جانب تكريس حق المواطنة كمعيار للتعامل مع جميع مكونات الشعب المصري وكذلك التخلص كليا من سياسة قمع الرأي الآخر أيا كان موقفه من رأي النظام الحاكم، لأنّ ثورة يناير قامت من أجل شعب مصر كله وليس من أجل النخب السياسية وغيرها.






إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"


//